كان هو طريقة الإسلام في الحكم .بحيث أصبح هو النموذج منذ أن كرسه معاوية بن أبي سفيان بتولية ابنه يزيد ، مع أنه غير مناسب لذلك الموقع بحسب النظرة الدينية ، وغير مؤهل بحسب الكفاءة الذاتية ، ولم يأت برأي الناس ومشورتهم . جيء بهذا النموذج ، فتكرس في الأمة حالات الاستئثار بأموال الناس من قبل فئة قليلة هي التي تحيط بالمستبد ، وأصبح غير هؤلاء وهم عامة الناس في حالة حرمان عام ، سواء من حقوقهم الاقتصادية أو السياسية . ولم يقتصر الأمر على زمان معاوية بحيث يعتبر ذلك الزمن فترة طارئة لا تلبث أن تزول ، وإنما أصبح منهجا وطريقة في الحكم ، خصوصا مع عدم تبلور منهج آخر في الحكم بعدما اختلفت طرق الحكم في أيام الخلفاء
بعد وفاة رسول الله  ، ولم تتح الفرصة لأمير المؤمنين  لكي يواصل ما بدأه .. صار الحكم الاستبدادي الوراثي غير المعتمد على الكفاءة ولا على رأي الناس وانتخابهم ، هو النموذج لحكم الإسلام ، والصورة الظاهرة له ، واستمر طيلة أيام الأمويين بل حتى الخليفة عمر بن عبد العزيز الذي عُرف بحسن فعله ، إلا أنه وصوله إلى الحكم كان على أساس هذا التوريث ولم يكن من خلال رأي الناس ، فضلا عن التنصيب الديني ! والعباسيون ـ والمفروض أنهم جاؤوا على خلفية معاداة الأمويين ومحاربتهم إلا أنهم لما حكموا ـ تمثلوا نفس المنهج تماما ، سواء في أصل الحكومة والوصول إليها ، أو في تفاصيل إدارة الاقتصاد والسياسة . واستمر الوضع في بلاد المسلمين هكذا حتى جاء
العثمانيون بنفس الطريقة ومارسوا نفس الأساليب ، ومن النادر أن نجد فترة من فترات المسلمين قد خلت نهائيا من هذا النموذج ..
كيف ينشأ الاستبداد وتتراجع الشورى ؟ مع ملاحظة أن نظام الإسلام قام على تركيز الشورى كنظام في المجتمع والحرية كقيمة في الفكر ، فكيف ينشأ الاستبداد مع ذلك في بلاد المسلمين ؟ للاستبداد مناشيء كثيرة منها : ١/ تمجيد فكر الاستبداد وأشخاصه :يتأثر النظام الاجتماعي تأثرا كبيرا ومباشرا بالنظام الثقافي ، وفي العادة يتجسد الثاني في الأول ، فإذا كانت الثقافة السائدة في المجتمع خرافية فإنها تصنع طبقات مؤمنة بالخرافة وممارسة لها ، وإذا كانت ثقافة المجتمع عقلية وعلمية فإنها تسوق المجتمع باتجاه القضايا العقلية والانجاز العلمي ، وهكذا الحال هو في القضايا الاجتماعية ، فعندما تمجد عقيدة المجتمع ـ ثقافته وفكره ـ العدل والانصاف فإن الاستبداد هنا لا يجد له مجالا للنمو ، وهكذا .. لقد رأينا أنه في
البلاد التي يمجَّد فيها الاستبداد ، وتعظَّم فيها شخصياته تكون مهيأة أكثر من غيرها لقبول الاستبداد الجديد ، ولإنتاج مستبدين جدد .. ومن هنا فإننا ننظر بعين الريبة إلى محاولات البعض لإحياء شخصيات الاستبداد في تاريخ المسلمين . كما أن إظهار الاستبداد بأنه قوة وحزم ، وأن الشورى واستفادة الرأي ضعف وخور ، هو من تمجيد الاستبداد ، فقد نقل عن عبد الله بن طاهر قوله : لأن أخطئ مع الاستبداد ألف خطأ أحب إلي من أن أستشير وأُرى بعين النقص والحاجة . كما نقل بعض المؤرخين أن من أسباب نكبة الخليفة العباسي هارون الرشيد للبرامكة ، استماعه لشعر بعض ندمائه : ليت هندا انجزتنا ما تعد وشفت أنفسنا مما نجــد واستبدت مرة واحــــدة إنما العاجز من لا يستبد فأقبل
هارون يكررها : إنما العاجز من لا يستبد . ونحن وإن كنا نشكك في ذلك ، ونعتقد أن القضية من الناحية التاريخية أوسع مما ذُكر إلا أن البيت الثاني يبين الفكرة الخاطئة التي تعظم الاستبداد ، وتراه قوة وقدرة . على العكس نرى أن الاستبداد شر مطلق ، وأن ما يجري لتسويق أفكار من قبيل حاجة الشرق إلى المستبد العادل هو من جمع ما لا يجتمع ، إذ الاستبداد ـ بالنحو الذي عرفناه فيما سبق ـ طبيعته تختلف جذريا مع طبيعة العدل ، وطالب العدل منه ( متطلب في الماء جذوة نار ) . وهذه الفكرة وإن نسبت للسيد جمال الدين الأفغاني ، إلا أن النسبة لم يعلم صحتها بل المعلوم خلاف ذلك ، ولو صحت فإنها خاطئة على كل