استبد برأيه هلك ومن شاور الرجال شاركها في عقولها ) .وخلافا لما يتصور البعض من أن الشخص المهم هو من يعتد برأيه ، ويعتمد عليه ، فإن الأحاديث تقرر أن ( أفضل الناس رأيا من لا يستغني عن رأي مشير ) . والحزم ليس أن تستبد برأيك ، وتخفيه عن غيرك زاعما أن استشارتك الآخرين تنبئ عن ضعف ، وإنما ( الحزم أن تستشير ذا الرأي وتطيع أمره ) . ولو فعلت ذلك فلك الثناء في كلا الحالين من الخطأ والصواب ، فإن ( من استشار لم يعدم عند الصواب مادحا ، وعند الخطأ عاذرا ) . إن سيرة النبي  وقادة المسلمين ، لتشير بوضوح إلى أن الشورى كانت استراتيجية دائمة لهم ، وأنه كان كل ( أمرهم شورى
بينهم ) ، فالنبي  كما سيأتي في الحديث شاور أصحابه ، وهو أعرف منهم وأعلم بجهات الرأي ، ولكنه لكي يعلم المسلمين الطريقة التي ينبغي أن يكونوا عليها في حياتهم . وهذا أمير المؤمنين الإمام علي ( عليه السلام ) يقول : بعثني رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) على اليمن ، فقال وهو يوصيني : يا علي ما حار من استخار ، ولا ندم من استشار . وكان موسى بن جعفر رأيه ممن يوازن به الجبال وربما شاور الأسود من غلمانه فقيل له : تشاور مثل هذا ؟ ! فقال : إن الله تبارك وتعالى ربما فتح على لسانه .كما نقل عنه ابنه علي بن موسى الرضا ، الذي كان بدوره يشاور أصحابه ، فقد قال
معمر بن خلاد : هلك ( مات ) مولى لأبي الحسن الرضا فقال : أشر علي برجل له فضل وأمانة ، قلت : أشير عليك ؟ قال : نعم إن رسول الله كان يستشير أصحابه ثم يعزم على ما يريد . وأما المستوى العقدي والفكري : فإنه خلافا لما أشاعته قوى الاستبداد السياسي والديني في فكر المسلمين من أن وظيفتهم هي الخنوع والخضوع للظلم والاستخذاء للقوي الذي يتولى الحكم , فإن الرأي الصحيح هو ما تأصل كمبادئ في القرآن الكريم ، وتم شرحه على لسان النبي والقادة الربانيين ، وهو الذي يأبى ذلك الخضوع ولا يعترف بإمامة الظالم المستبد ولا يراها شرعية ويدعو إلى مقاومتها ، وتغييرها . وفي المجال الفقهي فقد أكدت الروايات على عدم جواز الترافع والتقاضي إلى
أئمة الاستبداد والجور ففي مقبولة عمر بن حنظلة قال سألت أبا عبد الله  عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أيحل ذلك ؟ فقال  : من تحاكم إليهم في حق أو باطل فإنما تحاكم إلى الطاغوت وما يحكم له فإنما يأخذه سحتا وإن كان حقه ثابتا لأنه أخذه بحكم الطاغوت وقد أمر الله تعالى أن يكفر به . ومنعت من التعامل معه كسلطة شرعية ، فلا يمكن التعاون معه ولا العمل ضمن دائرته ، ولا قبول هداياه وعطاياه ..مما هو مفصل في كتب الروايات والفقه . وفي روايات أهل البيت نجد أن الظالم والفاسق لا يكون إماما حتى على مستوى صلاة الجماعة فضلا عن قيادة الناس العامة ، فلا
تصل النوبة إلى أنه هل يُخلع أو لا ؟ ذلك أن ( ولاة الجور شرار الأمة ، وأضداد الأئمة ) الشرعيين والحقيقيين ، ولذا كان ( سبع أكول حطوم خير من وال ظلوم غشوم ) . وهذا الذي يجعل مثل علي بن أبي طالب يـ ( أسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها ، فيتخذوا مال الله دولا ، وعباده خولا ، والصالحين حربا ، والفاسقين حزبا) .بل وعدت تلك الأمة بأنها لو سكتت عن الظالم ولم تواجهه أو تفضحه قائلة له إنه ظالم مستبد فإن تلك الأمة قد آذنت بوداع وزوال ( إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له أنت ظالم فقد تُودع منهم ) . لقد نشطت القوى الاستبدادية في تاريخ المسلمين في إرساء ثقافة الخضوع