( تفرعن ) في شخصية فرد ، وتجاوز لحده الطبيعي حتى يصبح مستبدا . ويبدأ ذلك بـ ( إعجاب المرء بنفسه ) حتى لا يرى أن عند أحد ما عنده ، ولا يتصور وجود الحق عند سواه ضمن عقلية ( مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) ثم ( تكبره على غيره ) وممارسة ما يراه صوابا حتى في حق الآخرين من دون رأيهم أو مشورتهم .. في مقابل هذا تحرص التوجيهات الدينية من المعصومين عليهم السلام على لزوم التعرف على النفس ، والنظر إلى عيوبها ونقائصها وأن العالم الحقيقي هو من يبدأ بمعرفة قدره وأن ذلك هو البداية الحقيقية لمعرفة الرب والحق وهذا واضح فإنه لا بد من تحديد المركز الذي ستنطلق منه المعرفة للغير ،
من أنا ؟ حتى يتحدد من هو الآخر ، وما هي الأشياء بالنسبة لي ..ومثل هذه التوجيهات ليست أخلاقية فقط للقضاء على تفرعن الذات وتغولها بل هي إضافة إلى ذلك طريق معرفي .. ففي توجيهات المعصومين نجد أن : ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) كما عن النبي  ولقد دخل رجل عليه ، فقال يا رسول الله: كيف الطريق إلى معرفة الحق ؟ قال : معرفة النفس . وذلك لأنها ( أنفع المعارف ) كما عن أمير المؤمنين علي  وأيضا عنه ، ( غاية المعرفة أن يعرف المرء نفسه ) ولذا كان ( من جهل قدره جهل كل قدر ) وجهل القدر هنا سيان بين انتقاص قدره أو الزيادة عليه . والغاية التي تتعقبها هذه الروايات
من معرفة النفس ، أن يتعقل المرء في النظر إلى ذاته ، ويعرف حدودها فلا يتجاوز تلك الحدود وبهذا ينسد طريق العجب كما عن الإمام الباقر  ( سد سبيل العجب بمعرفة النفس ) . وفي نفس الإطار فقد تمت مهاجمة إعجاب المرء بنفسه ، في الروايات وتم التحذير من هذه الخصلة السيئة ، فإن عجب المرء بنفسه دليل على فساد عقله : كما عن أمير المؤمنين علي ( رضاك عن نفسك من فساد عقلك ) وذلك أن ( الإعجاب ضد الصواب ، وآفة الألباب ) . والأمر واضح فإن المعجب بنفسه لا يستزيد من العلم فيبقى في الجهل (العجب صارف عن طلب العلم ، داع إلى الغمط ) . ولذا كان ينبغي الابتعاد عن كل ما يسبب إعجاب المرء
بنفسه وبقدراته ، فالتملق للمعجب بنفسه ومدحه بما ليس فيه ممنوع لأنه يزيد من هذه الحالة ، و يعظم في عينيه شأن نفسه فيورده المهالك ، ولا سيما إذا كان المدح أمام الآخرين بحيث ينتفش هذا الممدوح كالطاووس فإن ( الإطراء يحدث الزهو ويدني من الغرة ) وقد سمع المقداد بن الأسود أحدهم يمدح الحاكم بين يديه فأخذ ترابا فحثاه في وجهه وقال : أمرنا رسول الله أن نحثو في وجوه المداحين التراب . ودعت التوجيهات الأخلاقية في المقابل إلى التواضع ، والنصيحة ، وتقبل النقد واهداء العيوب . فنصحت بالتواضع للحق ( تواضع للحق تكن أعقل الناس ) ولله فـ ( من تواضع لله رفعه ) . وفي مقابل ذم التملق والمدح كان من يقوّم الأخطاء ويلاحظ النقائص في
الشخص ويوجهه إلى تغييرها هو أحب الناس وآثرهم ( ليكن أحب الناس إليك من هداك إلى مراشدك وكشف لك عن معايبك ) . واعتبر أن من تستر على الشخص في عيوبه وسلبياته يكون بمثابة العدو فـ ( قد عاداك من ستر عنك الرشد اتباعا لما تهواه ) . وفي مواجهة الفكرة الخاطئة القائلة بأن الاستبداد قوة ، وأن المشاورة ضعف ، وأن الحزم في تركها .. أكدت التوجيهات الدينية على أهمية تحلي الفرد ، والمجتمع بخصلة المشاورة في كل أمورهم صغيرها وكبيرها ، وأن ذلك مما يوجب الوصول إلى الهدف ، بينما الاستبداد بالرأي ينتج الهلكة وذلك أن ( المستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل ) وإنما كان ( ينبغي للعاقل أن يستديم الاسترشاد ويترك الاستبداد ) لأن ( من