 وهو أفضل البشر ـ وهذا من باب إياك أعني واسمعي يا جارة ـ بأنه ليس له سيطرة على الناس ، وإنما دوره التذكير والبلاغ ، والتوعية ، ثم يقوم الناس باختيار ما يريدون بتمام حريتهم . فانظر إلى الآيات القرآنية التي تتحدث عن هذا الجانب وتأمل فيها ـ مع ملاحظة أن المخاطب فيها هو رسول الله  وهو خير الخلائق ـ . ففي ثلاثة مواضع من آيات القرآن الكريم ، نفى القرآن أن يكون الرسول  وكيلا عليهم . وفي موضعين أمره أن يخبرهم بذلك وأنه ليس عليهم بوكيل ، ولا حفيظ . كما أنه ليس عليهم بجبار ، ولا مسيطر ، وإنما هو مذكر يثير فيهم دفائن عقولهم ، ومرتكزات وجدانهم . فإذا كان النبي  وهو بتلك
المنزلة العظمى ، دوره هو التبليغ والارشاد دون السيطرة والهيمنة ، فكيف يمتلك بعض عامة الناس من علمائهم هذه المنازل . هذا لا يمكن . ولهذا وجدنا أن تعبيرات القرآن الكريم عن العلماء ، تبتعد كثيرا عن السلطة والسيطرة ، وتتحدث عن أنهم ( أهل الذكر ) ، وأنهم ( الذين يعلمون ) وأنهم ( لينذروا قومهم ) . وبالتالي فإن موقعهم هو موقع الخبراء في مجال خبرتهم ، فكما أن الخبرة في الهندسة لا تعطي ولاية أو هيمنة للخبير فيها على غيره ، فكذلك الخبرة في الأمور الدينية ، نعم يكون له فصل النزاع في مجال خبرته ، وبيان وجه الحق ليس أكثر . نعم يوجد في بعض الروايات أنهم ( حكام على الملوك ) ولكن من الواضح أنه
ليس المقصود من ذلك الهيمنة الخارجية ، وإلا فعدم صدق هذه القضية ظاهر ، وإنما هي في مقام بيان المنزلة الحقيقية للعلماء وأنهم فوق الملوك ، تبعا لما يملكونه من أحكام إلهية . ثم إن هذه المنازل الموجودة للعلماء خاضعة لرقابة الناس ، وعلى الناس أن يلاحظوا ذلك ، فإذا وجدوا من أحدهم ميلا أو هوى أو رغبة في الدنيا ، أو تجاوزا على أحكام الشريعة ، أو تبريرا لسلطانٍ إثمَه فليتبعدوا عنهم ، وليفارقوهم بل ليفضحوهم . ما يتلخص لنا من نظر الاسلام للفئة الدينية هو ما يلي : * إن موقع العلم بالدين في نظر الاسلام من أعظم المواقع ، وحامل هذا العلم يحصل على تقدير كبير تبعا لذلك . * إن موقع التقدير ذاك مرتبط بتطبيق العالم
علمه على نفسه ، من جهة وتبليغه للناس لارشادهم من جهة أخرى . * إن دور هذا العالم في علاقته بالناس هو البلاغ والبيان ، وهذا لا يعطيه سيطرة عليهم أو هيمنة . * إن موقع العالم الديني في مجتمعه ، إضافة إلى أنه مربوط بتطبيق العلم على نفسه ، وبثه في الناس ، ينبغي أن يكون تحت رقابة الناس , ونظرهم فإذا وجدوا منه غير ما هو المعهود من أمثاله من العلماء ، اجتنبوه وتنكبوه . وبناء على ما سبق : فإن هذه النظرة لو تم التأمل فيها بدقة فإنها لا تسمح بتحول الفئة الدينية إلى جهة مستبدة من خلال سلاح الدين ، وإنما قد يحصل ذلك عندما يغفل الناس عن نظرة الاسلام تجاه الفئة الدينية التي هي ليست
إلا مجموعة من الخبراء في الشأن الديني وأن مدى طاعتهم فيه مرتبط بتطبيقه على حياتهم وخطواتهم من جهة وتبليغهم إياه من جهة أخرى . لذلك كان مهما جدا أن يتعرف الناس على ثقافة الاسلام في حق ( رجال الدين ) . كما أن هذه الرؤية تجاه الفئة الدينية لا تسمح لرجال الاستبداد الديني أن يكون لهم موقع مهم بين الناس ، ولا تسمح لرجال الاستبداد السياسي أن يستفيدوا من موقع العلماء عند الناس .
كيف يفكك الإسلام بنية الاستبداد ؟
قد تقدم الكلام في كيفية منع الاسلام نشوء الاستبداد الديني ، أثناء الحديث عن نظر الدين للفئة العالمة بالدين .. وبالطبع عندما نقول إن الاسلام يفكك بنية الاستبداد في المجتمع المسلم ، فلا نعني بذلك الأمر الحتمي الناجز ، وإنما المقصود هو أنه يصنع إمكانات منع حصول الاستبداد ، وتفتيته لو حصل . والتوجيه إلى ذلك بحيث لو التزم به المجتمع المسلم لما غرق في وحل الاستبداد ، وأما لو أهملت تلك التوجيهات ولم تنفذ عمليا ، فمن الممكن حصول الاستبداد بل هو واقع كما نقله التاريخ وكما يشهد به الحاضر . مستويات متعددة : يسعى الإسلام في تفكيك بنية الاستبداد ضمن مستويات ثلاثة : أخلاقي ، وعقدي فكري ، وقانوني . المستوى الأخلاقي : ينظر إلى الاستبداد على أنه