كيف ينظر الإسلام للفئة الدينية لكيلا ينشأ الاستبداد الديني
لسنا بحاجة إلى التأكيد على موقف الاسلام من العلم وأهله . وبالطبع فإن أوضح مصاديق العلم الذي تؤكد عليه الأحاديث هو العلم بالدين . فبدءا من أن الله سبحانه جعل أهل العلم ـ والملائكة ـ إلى جانبه في الشهادة على وحدانيته ، وعدالته ، وعزته وحكمته كما في قوله تعالى ( شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) ، إلى إخباره عن الراسخين في العلم أنهم ـ كخالقهم ـ يعلمون تأويل الآيات وأبعادها المختلفة ( وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) ، وإلى كون المخلوقات الأخرى ـ تقديرا منها لحامل العلم والساعي فيه ـ تستغفر له . وأخيرا بجعله من أقرب الناس شبها في درجته بالأنبياء
. إلا أن ذلك مربوط ومرهون بمسؤوليته ، في العمل بعلمه بالنسبة إلى نفسه ، وفي نشر العلم للناس . وإلا فمع تخليه عن أحد الأمرين لا يعود له تلك الأهمية . فإن ( ثمرة العلم العمل به ) و ( على العالم أن يعمل بما علم ثم يطلب تعلم ما لم يعلم ) بل إن هناك عملية تلازم بينهما حيث ( العلم مقرون بالعلم فمن علم عمل ، والعلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل عنه ) . و( اعلم أن قليل العلم يحتاج إلى كثير العمل لأن علم ساعة يلزم صاحبه استعماله طول عمره ) . إن العالم العامل بعلمه يتحول من خلال ذلك العمل إلى نور الله في ظلمات الأرض . في المقابل فإن العالم إذا انسلخ
من علمه ، واستأكل به واستغل جهل الناس لأجل عمارة دنياه ، وتعامل مع الظالمين في وجه المؤمنين فإنه حينئذ يكون جاهلا ، بل هو شر الناس ويُقرن في هذه الحالة بفرعون وابليس ، ففي الخبر أن النبي  سئل عن شر الناس فقال : العلماء إذا فسدوا .. وقد ضرب القرآن مثلا للمسلمين لكي يحذروا هذه الفئة الفاسدة من العلماء ، حين تحدث بأعنف ما يكون من اللفظ عن بلعم بن باعورا ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) . ويفسر الامام
علي بن موسى الرضا ذلك بقوله : أعطي بلعم بن باعورا الاسم الأعظم وكان يستجاب له فمال إلى فرعون ، فلما مر فرعون في طلب موسى وأصحابه قال فرعون لبلعم : ادع الله على موسى وأصحابه ليحبسه علينا فركب حمارته ليمر في طلب موسى ، وانسلخ الاسم الأعظم من لسانه وهو قوله ( فانسلخ منها ..) . ذلك أن العالم لما كان في هذا الموقع المتميز كان خطؤه مضاعفا ، وزلته تفسد عوالم ، ذلك أن ( زلة العالم كانكسار السفينة تغرق وتُغرق ) . وأيضا فهو مسؤول عن علمه في بثه وتبيينه ، إذ أخذ الميثاق على العلماء (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) ، ولقد توعد القرآن الكريم أولئك العلماء الذين يكتمون العلم ، ويبقون الناس في جهلهم ـ بالتالي
ـ أو أنهم يحولون العلم تجارة بعد أن كان بصيرة وهدى ، بأشد العقوبات في قوله ( إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) . إن الضلال الفكري للأمة ( سواء في دينها ، أو في سياستها ، أو اقتصادها ..) قد يحدث بسبب تخلي هؤلاء العلماء عن ممارسة دورهم التنويري والتوجيهي ، فإنه ( إذا ظهرت البدع في أمتي فليظهر العالم علمه ، فمن لم يفعل فعليه لعنة الله ) . ثم إن هذا القبول الطوعي من قبل الناس بالعالم يجب أن لا يتحول إلى نحو سيطرة وسلطة منه عليهم ، فإن القرآن الكريم يخاطب الرسول الأعظم