. وأحببت من حاد الله أوليس بدعائه إياك حين دعاك جعلوك قطبا أداروا بك رحى مظالمهم وجسرا يعبرون عليك إلى بلاياهم وسلما إلى ضلالتهم ، داعيا إلى غيهم ، سالكا سبيلهم ، يدخلون بك الشك على العلماء ويقتادون بك قلوب الجهال إليهم ، فلم يبلغ أخص وزرائهم ولا أقوى أعوانهم إلا دون ما بلغت من إصلاح فسادهم واختلاف الخاصة والعامة إليهم . فما أقل ما أعطوك في قدر ما أخذوا منك . وما أيسر ما عمروا لك ، فكيف ما خربوا عليك . وهذا التسويغ للظالم والتبرير للآثم لا يقتصر على معاصريه ، فربما يحصل هذا على فتات من مائدة الظالم ، ولكن هلم الخطب في غير المعاصرين له .. فماذا ينتفعون ؟ وعلامَ يحصلون ؟ فانظر مثلا إلى ابن
العربي المالكي الذي يتحدث عن ثورة الحسين u التي أحيت الدين ، بمنطق أن الحسين قد قُتل بسيف جده ! ـ يعني أيضا : الاستبداد بفهم الدين ، واعتقاد أن الحقيقة ملكهم ، فالواحد منهم لا يرى شيئا من العلم عند غيره ، والحقيقة ليست إلا لديه ، مع أنه لا يتميز في الواقع بشيء على الآخرين من اتصال بالوحي مثلا أو انكشاف الحقائق لديه , ولكنه ( لا يحسب العلم في شيء مما أنكره ، ولا يرى أن من وراء ما بلغ مذهبا لغيره ) بل الاستبداد بالجنة وامتلاكها ( وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ..) . وتقرير من هو ذو الدين ومن ليس كذلك .. من هنا كان الاستبداد الديني أسوأ من استبداد
القوة والسلطة والسياسة . سواء قلنا بأنه هو الحاضن الذي ينشأ من خلاله استبداد الملوك والسياسيين كما قال الشيخ عبد الرحمن الكواكبي . أو قلنا إنهما توأمان لا يفترقان ، كما قال الشيخ محمد حسين النائيني . إلا أن الاتفاق على كون الاستبداد الديني أخطر من السياسي ، وأصعب منه لأسباب متعددة : الأول : أن سلاح الاستبداد الديني هو الآيات والروايات ، والكلام باسم الدين .. في مقابل أن المستبد السياسي إنما يستطيع أن يسجن أو يقتل . ومثل هذا المسجون أو المقتول يتحول عند الناس إلى بطل أو شهيد ! بينما المستبد الديني لا يصنع ذلك مع من يعارضه ، وإنما يلغي وجوده الديني والاجتماعي ، يلغي شخصيته فيجعله فاسقا أو مبتدعا أو ربما كافرا .. والسلاح في
ذلك آيات القرآن ، وروايات النبي ١ . وذلك لأن ( حقيقته عبارة عن إلقاء عباءة الدين على الرغبات والارادات الشخصية البحتة ، لبعض المتلبسين بزي العلماء الذين استغلوا جهل الأمة بنفسها وجهلها بمقتضيات دينها فأوهموها بأن ما يدعونها إليه هو الدين الحنيف الذي يجب اتباعه وطاعتهم فيه ) . الثاني : أن أثر الاستبداد الديني يبقى إلى أزمنة طويلة ، بينما أثر الاستبداد السياسي قد لا يكون له ذلك الأثر المستمر حيث أنه بموت المستبد أو بنهاية دولته ينتهي أثره . وذلك أن الاستبداد الديني يتحول إلى فتوى ونظرية ، وثقافة ، وهذه من شأنها أن تعبر الزمان ، وتصبح منهجا . ولهذا وجدنا المستبدين السياسيين يسعون باستمرار إلى نفخ الحياة في جسم المذاهب الاستبدادية ، الجبرية ، لأنهم
بمقدار ما يحيونها تحييهم وبمقدار ما ينشرونها تنفعهم ! إن ما نجده من تشويه لهذا الدين الذي جاء رحمة للعالمين ، مخلصا البشرية من الأحقاد والأغلال ، بمنطق ( الناس إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق ) هذا التشويه لم يكن وليد يوم التكفيريين الجدد ، وإنما هو نظرية السابقين من أنصار الاستبداد الديني الذين وضعوا بذرة التكفير والتفسيق والتبديع .
الثالث : أن هذا المنهج الاستبدادي يجعل لنفسه ما لم يجعل الله لذاته المقدسة ولا لرسوله المكرم ! فالله الذي خلق الناس ورزقهم وأعطاهم ، قال لهم في أمر الاعتقاد بالله أنتم أحرار .. والحساب مؤجل ليوم القيامة ( وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ ) لكن يتحمل الكافر مسؤولية كفره يوم القيامة فـ (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً) (الكهف:٢٩) فالله لم يجعل لنفسه في هذا الدنيا إكراه الخلق ، وقال ( لا إكراه في الدين ) ، لكن هؤلاء جعلوا لأنفسهم حق إكراه الغير على معتقدهم ، وطريقتهم واسلوب تفكيرهم ، فمن لم يكن على طريقتهم تتخذ تجاهه الاجراءات المباشرة ، يضيق عليه مجال الحركة ، وأفق الرزق ، وهكذا . والأمر نفسه لم يجعله الله لنبيه مع أنه أفضل الكائنات ، وأعظم قامة في تاريخ البشر ، فنحن نسمع قول الله في أمر حازم لنبيه المصطفى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) ) (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ) ، و( قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ) (وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ) . الاستبداد الديني يشيع الكراهية للغير بدواعي مختلفة ويحتجب حقوقهم : ()وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (آل عمران:٧٥) فهم مع أهل الديانات الأخرى يكرهونهم باعتبارهم كفرة ، ومع أهل الطوائف الأخرى باعتبارهم مبتدعة ومشركون ، ومع أهل المذهب الواحد ممن يختلف معهم باعتبارهم علمانيون .. وهكذا . ومن هنا كان تفرق الكلمة ، والتمزق الاجتماعي قرينا للاستبداد الديني كما رأى المحقق النائيني ، ذلك أن اتحاد الأمة واجتماع كلمتها هو العائق الأول أمام مخططات الجبابرة والمستبدين ، لذلك فهم يسعون في كل حال إلى استئصال قوة المقاومة هذه ، باصطناع أسباب الفرقة .