أسئلة في السيرة والنهضة الحسينية

وأما في الجهة الثانية: فإنه لا يظهر أن هناك مانعاً لو تم القيام برسم تخيلي للمعصوم بناءً على ما ورد في صفاته التي نقلت في الكتب ما لم يكن فيه محذور من هتك أو غيره كصورة غير لائقة.

نعم لا يترتب عليه أثر، فلا يصح أن يخبر عنه بأن شكل الإمام كان هكذا فإن ذلك كذب.

في غير ذلك الأثر لا يوجد هناك مانع من تصوير شكل معين اعتماداً على ما ورد في الكتب التي نقلت صفات المعصوم، بل ربما كان راجحاً لو أدّى تصوير قضية كربلاء وما فيها من معان ومآس بالصورة الفنية المعهودة في هذه الأيام مما يؤدي إلى انتشارها، وتعرُّف الناس عليها من مختلف زواياها. بالطبع لا بد أن يكون ذلك متناسباً مع عظمة صاحب المناسبة وقداسة الواقعة. وقد ذكرنا في موضع آخر ما يرتبط بالتمثيل السينمائي والمسرحي لموضوع كربلاء.

�س: نسمع في أيام المحرم أصوات قراءة النساء في المآتم، ونرى أنه ليس من الصحيح ذلك فإن صوت المرأة عورة، وكيف تريد الواحدة أن تقرأ في مأتم الحسين﵇ والحال أنها تظهر صوتها في الميكرفون فيسمعه الرجال وهو عمل محرم فكيف يكون في المأتم ما هو حرام؟

الجواب: يظهر أن السائل الكريم قد (أفتى) بالحرمة!! اعتماداً على فكرة مسلمة عنده وليست مسلمة عند الفقهاء وهي أن (صوت المرأة عورة). فرتب آثاراً بناءً على ما ليس بصحيح.

ويبدو أن الفكرة المذكورة متأثرة بما هو مألوف وخاطئ في مجتمعنا، واعتبار ما يصدر عنها أنه واقع في دائرة الفتنة والحرمة بالضرورة وليس كذلك. وهو يعبر عن الأزمة التي يعيشها البعض في نظرته إلى المرأة، فلا هو يستطيع أن يخرج من (تراثه الاجتماعي) الذي يهضمها حقها، و لا هو يستطيع أن يتقبل السعة التي أعطتها الشريعة لدور المرأة333.

وسوف نحاول في السطور القادمة أن نبين أن:

صوت المرأة ليس بعورة محرمة:

فمع أن هذه الفكرة منتشرة ومشهورة بين الناس إلا أنها لا نصيب لها من الصحة.

قد قرر علماؤنا334 هذا الأمر اعتماداً على جملة من الأدلة، بعدما لم يكن دليل صالح للقول بأنه عورة إذ لا يوجد خبر عن أهل البيت﵈ بهذا النص ولو كان ضعيفاً335.

كذلك فإن سيرة المعصومين﵈ قاضية بأنهم كانوا يستقبلون النساء السائلات عن المسائل الدينية من غير إنكار منهم عليهن ومن غير ضرورة تلجئهن مثلما أشارت إليه رواية أبي بصير قال: «كنت جالساً عند أبي عبد الله﵇ إذ دخلت علينا أم خالد التي كان قطعها يوسف بن عمر تستأذن عليه، فقال أبو عبد الله﵇: أيسرك أن تسمع كلامها؟ قال: فقلت: نعم، قال: فأذن لها قال: وأجلسني معه على الطنفسة قال: ثم دخلت فتكلمت فإذا هي امرأة بليغة فسألته.. إلى آخر الحديث»336.

فأنت ترى أن الإمام﵇ قد استمع إليها، وعرض على أبي بصير الاستماع إلى حديثها..