منها حمل ما دل على الجواز على التقية حيث إن الدولة الغالبة هي دولة بني العباس وكان شعارها السواد حتى سُموا بـ(المسودة) في التاريخ ولما أظهر المأمون أنه يريد تولية الإمام الرضا﵇ لعهده فقد قام بتغيير ما كان موجودا من شعار العباسيين (السواد)373 إلى الخضرة التي يفترض أنها شعار العلويين ـ على تأمل في ذلك ـ. ولهذه الجهة فقد رأى بعض علمائنا حمل روايات الجواز على التقية حيث أنها توافق الوضع السياسي القائم ولابد للأئمة من موافقته كما يشير إليه ما رواه الكليني عن حذيفة بن منصور قال: كنت عند أبي عبد الله﵇ بالحيرة فأتاه رسول أبي جعفر الخليفة يدعوه فدعا بممطر374 أحد وجهيه أسود والآخر أبيض فلبسه ثم قال أبو عبد الله﵇: أما إني ألبسه وأنا أعلم أنه لباس أهل النار375. (يعني الحكام من بني العباس) ولكنه في هذه الحالة مضطر إلى لبسه.
بينما ذهب البعض إلى أن الروايات الناهية عن لبس الأسود ظاهرة في الحرمة، والروايات المجوزة نص في الجواز، فترفع اليد عن ظهور الأولى في الحرمة ـ وتحمل على الكراهة ـ بصراحة الثانية في الجواز والحل. ويكون لبس الأئمة لتلك الثياب السود لأجل بيان الجواز.
وقسم آخر حمل الروايات الناهية على كونها بدافع التشبه بأعداء الله، أو الفراعنة وبني العباس، وإظهارا لشعارهم، وتقوية لأمرهم، فلو لبسها بهذا الداعي، وكانت تؤدي إلى هذه النتيجة فهو حرام وإلا فلا ! بل حتى لا كراهة مع لبسها لا بذلك الداعي، «فالتأمل في الأخبار وفي مساقها وما اشتمل عليه من تعليل المنع فيها مرة بأنه لباس فرعون وتارة بأنه لباس أهل النار كما في أكثرها وأخرى بما يقرب منه من أنه زي بني العباس ومن منع التلبس بلباس الأعداء بقول مطلق كالأخير منها الذي هو عند التحقيق كالمتضمن لهبوط جبرئيل﵇ على النبي﵌ متلبسا بزي عجيب أخبر بأنه زي بني العباس بمنزلة المبين لعنوان الحكم الكراهي وموضوعه المعلق عليه أن كراهة لبس السواد ليست من حيث كونه لبس سواد تعبدا. وإلا لما استثنى منه من نحو الخف والعمامة والكساء بل إنما هي من حيث كونه زي أعداء الله سبحانه الذين اتخذوه من بين سائر الألوان ملابس لهم فيكون الممنوع عنه حينئذ التزي بزيهم والتشبه بهم الذي منه التلبس بما اتخذوه ملبسا لأنفسهم ومعلوم أن عنوان التشبه بهم ونحوه من التزي بزبهم لا يتأتى مع كون القصد من ذلك غيره»376.
ولعل رواية دواد الرقي: «بيّض قلبك والبس ما شئت» شاهد على ما سبق حيث أن التشبه لما كان لا يتم إلا مع القصد، كان بياض القلب وسواده (ونية التشبه وعدمها) هو المؤثر لا مجرد اللبس.
وبالتالي يكون لبس الثياب السوداء من حيث الحكم الأولي لا مانع منه، وإنما بالحكم الثانوي يكون مكروها أو حراما، بناء على حرمة التشبه بأعداء الله. وقد يكون مستحبا وراجحا إذا انطبق عليه عنوان ثانوي كالتأسف والحزن لما أصاب أهل البيت﵈.