بل حتى التهلكة بالمعنى الدنيوي أي فقدان الحياة فهي غير مرفوضة لو ترتب عليها فوائد عظيمة، فلا تعد عند العقلاء ولا عند الشرع خسارة لو كان في مقابلها شيء عظيم، ومن المعلوم عظمة الفوائد التي ترتبت على شهادة الإمام﵇.
بل يقال أنه لا مانع أن يتعبد الله قوما بامتحان أعظم لينالوا من المراتب39 ما لا يناله غيرهم فيقدمون على الموت إذا كان ذلك في رضا الله، مع علمهم بأن هذا الطريق ينتهي إلى موتهم، وهذا في أمور الجهاد واضح حيث تجتمع من القرائن لدى الذاهب إلى القتال ما يعلم علما عاديا متعارفا أنه سيقتل. ومع ذلك يذهب، بل هناك حالات يكون غيره يعلم بموته أيضاً فضلا عنه، كما نقل أن الرسول لما وجه المسلمين لمقاتلة الروم في مؤتة، قال: إن أصيب زيد بن حارثة فجعفر بن أبي طالب على الناس فإن أصيب جعفر فعلى الناس عبد الله بن رواحة.. فعلم المسلمون أنهما يقتلان.
وإنها لمنزلة عظيمة أن يعلم الإنسان أنه مقتول في طريق الله ومع ذلك يختار ما عند الله سبحانه.
�س: و ألا يُعد ذلك إلقاءا بالنفس في التهلكة؟
الجواب: إنه في البداية ينبغي أن يُعرف معنى التهلكة، ثم يتم على ضوء ذلك تحديد أن العمل الذي قام به الإمام الحسين﵇ هل يدخل فيها أو لا يدخل؟ أولاً:هذه الكلمة وردت مرة واحدة في القرآن الكريم فقط، وهي في سورة البقرة {وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}40.
وقد ذكر الشيخ الطوسي في التبيان41 المعاني المتصورة في الآية فقال:قيل في معنى الاية وجوه:
أحدها: قال الحسن، وقتادة، ومجاهد، والضحاك، وهو المروى عن حذيفة، وابن عباس: إن معناها {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} بالامتناع من الإنفاق في سبيل الله.
الثاني: ما روي عن البراء ابن عازب، وعبيدة السلماني: لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة.
الثالث: ما قال البلخي، من أن معناها: لا تتقحموا الحرب من غير نكاية في العدو، ولا قدرة على دفاعهم.
والرابع: ما قاله الجبائي لا تسرفوا في الإنفاق الذي يأتي على النفس.
ثم قال الشيخ والأولى حمل الآية على عمومها في جميع ذلك.
أقول: تارة يراد تأويل الآية وتطبيقها على المصاديق المختلفة، فيصح ما ذكر، وغيره كما أن الإمام محمداً الباقر﵇ قد طبقها على العدول عن ولاية أهل البيت﵈، وكل ذلك صحيح، فلا مانع من الجري والانطباق لآية على مصاديق كثيرة، وتارة يراد تفسيرها فيكون الصحيح هو ما ذكر من أنه أنفقوا ولكن لا تهلكوا أنفسكم بكثرة الإنفاق، وإنما يجب أن يكون الإنفاق بنحو الإحسان وهو حد وسط بين الإسراف والكثرة وبين التقتير ومسك اليد، وشاهد ذلك أن طرفي الآية من الصدر والعجز ظاهران في الإنفاق فلا بد أن يكون الوسط وهو (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) كذلك.
وعلى هذا فالمقصود هنا هو التهلكة الدنيوية. بمعنى أن نظام حياتكم ينبغي أن يكون قائما على أساس الاعتدال.
وأما بناء على المعنى الآخر فالمقصود هو التهلكة الأخروية، أي أن لا يحصل منكم عمل ينتهي إلى الهلاك الأخروي وسوء العاقبة عند الله سبحانه، بأن تتركوا ولاية أهل البيت أو تقوموا بالمعاصي، وما شابه.