الجواب: بالرغم من أن هذا البحث طويل الذيل، وفيه بعض الجوانب التخصصية، إلا أننا سوف نسعى بمقدار ما يمكن لتبسيط الجواب، وذكر أهم أجوبة العلماء في المسألة ثم نركز على الجواب الأسلم بينها:
فقد سئل الشيخ المفيد28 رضوان الله عليه عن ذلك وأجاب بما يلي:
1. إن إجماع الشيعة قائم على علم الإمام بالحكم في كل ما يكون، دون أن يكون علماً بأعيان ما يحدث تفصيلا (أي أن إجماع الشيعة منعقد على علمهم التفصيلي بالأحكام ولا إجماع على ذلك في المواضيع)، ولا نمنع علمه بذلك بإعلام الله له.
2. علم الإمام بقاتله وعلمه بأنه مقتول لا شك فيه، وأما علمه بوقت قتله فلم يثبت بأثر(أو خبر تام).
3. لو أتى عليه أثر لم يكن مشكلاً حيث لا نمنع أن يتعبده الله بالصبر والاستسلام ليبلغ من المرتبة ما لا يبلغه إلا به29.
وأما جواب الشيخ الطبرسي: إن فعله يحتمل وجهين أحدهما: إنه ظن أنهم لا يقتلونه لمكانه من رسول الله﵌ والآخر: إنه غلب على ظنه أنه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبرا، كما فعل بابن عمه مسلم، فكان القتل مع عز النفس والجهاد، أهون عليه.
أما العلامة المجلسي30 فقد نقل جواب العلامة الحلي31 رضوان الله عليهما من المسائل المهنائية فقال في جواب عن مقتل أمير المؤمنين﵇ (ويلاحظ أن كلا جوابيه ينتهيان إلى أجوبة الشيخ المفيد):
بأنه يحتمل أن يكون﵇ اخبر بوقوع القتل في تلك الليلة، ولم يعلم في أي وقت من تلك الليلة أو أي مكان يقتل. (وهذا الجواب هو نفس جواب الشيخ المفيد في أنه لا يعلم على نحو التفصيل بلحظة المقتل).
وأن تكليفه﵇ مغاير لتكليفنا، فجاز أن يكون بذل مهجته الشريفة في ذات الله تعالى، كما يجب على المجاهد الثبات، وإن كان ثباته يفضي إلى القتل32.
لكن الذي يظهر من السيد المرتضى33 رحمه الله أن الحسين﵇ ربما كان يشاهد لوائح النصر وعلامات النجاح في الثورة، وهذا الذي دفعه إلى التحرك والإقدام. فقال:
قد علمنا أن الإمام متى غلب في ظنه يصل إلى حقه والقيام بما فوض إليه بضرب من الفعل، وجب عليه ذلك وان كان فيه ضرب من المشقة يتحمل مثلها تحملها، وسيدنا أبو عبد الله﵇ لم يسر طالبا للكوفة إلا بعد توثق من القوم وعهود وعقود، وبعد أن كاتبوه﵇ طائعين غير مكرهين ومبتدئين غير مجيبين.34.
ثم قال ما حاصله: إن الأمور قد سارت فيما بعد على خلاف هذا الظن، وأن الاتفاق السيء قد عكس هذا الأمر وقلبه حتى تم فيه ما تم. ثم صار بين أن يكون آخر أمره إلى الذل وربما صار مع ذلك إلى القتل من قبل عبيد الله بن زياد، وبين أن يلجأ إلى المحاربة والمدافعة، فاختار الشهادة والسعادة..
أقول: هذا الذي ذكره رضوان الله عليه يشم منه عدم علم الإمام﵇ بمصرعه، وهو خلاف ما يذكره التاريخ، والروايات، ولذا فقد رد السيد محسن الأمين رحمه الله في كتابه لواعج الأشجان بنحو مفصل ذاكرا الشواهد التاريخية على علم الإمام بمصرعه من كلمات الإمام وغيرها فقال:
ومما يدل على أن الحسين﵇ كان موطناً نفسه على القتل وظاناً أو عالماً في بعض الحالات بأنه يقتل في سفره ذلك:
خطبته التي خطبها حين عزم على الخروج إلى العراق التي يقول فيها خط الموت على ولد آدم...الخ فان أكثر فقراتها يدل على ذلك.