ولتقريب الأمر نضرب مثال الفيلم التلفزيوني فإنه قد يستطيع المخرج أن يختصر فيه عددا من المشاهد والأفكار من خلال الصورة، فيستطيع بذلك أن ينقل أكثر من معنى في مشهد واحد بينما لو أراد أن يتحدث متكلم عن ذلك لاحتاج إلى صفحات متعددة.
�س: ما معنى كلمة الإمام الحسين﵇ بالنسبة إلى نسائه: شاء الله أن يراهن سبايا على أقتاب المطايا؟ هل فيها دلالة على الجبر وأن هذا الأمر كان مكتوبا عليهن؟
الجواب:
في البداية نقول أن النص الوارد في اللهوف ليس فيه (على أقتاب المطايا) وإنما بهذا المقدار (شاء الله أن يراهن سبايا). في حادثة ينقلها103.
وهناك تعبيرات في القرآن عن المشيئة والإرادة الإلهية تنتهي إلى أن لله إرادتين ومشيئتين: تكوينية وهي لا تتخلف فإن شاء شيئا كان من غير معالجة، وإذا أراده تحقق ذلك أنه {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ}104 ولتقريب المعنى مع ملاحظة الفارق نقول إن الإنسان لو أراد أن يصور شيئاً في ذهنه، فلا يحتاج هذا التصوير إلا إلى لمحة التفاتة فيحضر المعنى المصور في ذهنه فورا، فلو أراد أن يتصور بحرا أو شجرة أو غيرها، فإنه لا يحتاج إلى معالجات وإعدادات وإنما يكفي أن يتصورها ويوجه ذهنه إليها في خلق الله للأشياء يكفي أن تتعلق إرادته بذلك، لكي يتحقق الموجود، ويصبح مخلوقاً خارجياً، وقد تحدث القرآن الكريم عن هذه المشيئة والإرادة التكوينية فقال (لو شاء ربك ما فعلوه)، (ولو شاء لذهب بسمعهم) (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس..)..
وتشريعية: وهي أن تتعلق مشيئة الله بفعل العبد، فهو لا يجبر العبد عليها وإنما يحثه عليها تارة ويزجره عنها أخرى بأوامره ونواهيه، ولا يقسره على فعلها ولا يجبره على تركها، وإنما يبين له بالرسل، ويهديه بالعقول، ويزوده بالإرادة والاختيار لكي يختار و(قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها): وهي التكاليف الشرعية، وقد تحدث عنها القرآن الكريم أيضاً بلسان الإرادة الإلهية فقال {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}105 و{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}106 و{مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ}107.
وهذه الثانية تبقي للإنسان مجال الاختيار، ولا يكون مسيرا فيها إلى جهة برغم إرادته، وإنما يكون في كل حالاته مختارا يستطيع الاستمرار ويستطيع التراجع، ومثل هذه الإرادة قول الإمام الحسين﵇ (شاء الله أن يراني قتيلا. وشاء الله أن يراهن سبايا).
كيف نعرف أن هذه إرادة تشريعية لا تكوينية (أن يراهن..)؟
لمخالفة ذلك لعقيدة الاختيار التي يدين بها الإسلام ويُعرف بها أهل البيت، هذا مع أنها كان يمكن أن تتخلف بتغيير الحسين رأيه، أو مسيره بينما التكوينية لا تتخلف. والشاهد عليه أن محمد بن الحنفية والذي يعرف عنه القول بالاختيار والإرادة تبعا لما أخذه من أبيه أمير المؤمنين﵇ لم ينكر على الإمام مقالته.