أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

وأما تفصيل المطلب فإنه يوجد في مصادر مدرسة الخلفاء روايات متعددة حول صوم يوم عاشوراء واستحباب ذلك، وأنه كفارة سنة أو غير ذلك، كما يستفاد من بعضها أيضاً أن صوم عاشوراء كان مألوفاً ومعروفاً في مكة فكان اهل الجاهلية كانوا يصومونه، وكان النبي﵌ يصومه أيضاً فلما نزل شهر رمضان تركه، بينما في روايات أخرى ما هو مخالف لهذا بل تشير إلى أن أمر صوم عاشوراء كان مجهولاً، وغير معروف حتى للنبي﵌ وإنما كان موجودا لدى اليهود فاستغرب لما سمع عن صومه، وسأل عن مناسبة ذلك فأخبروه أنه لأجل إنتصار موسى على فرعون، فقال: أنتم أولى بموسى منهم. والأمران لا ينسجمان فإن معنى صوم أهل الجاهلية له بل وصوم النبي له أن يكون معروفا عند النبي﵌، بينما استغراب النبي وسؤاله بحسب الرواية الأخرى عن هذا الصوم وما شأنه؟ يعني أنه لم يكن معروفا عنده﵌.

فمن الروايات ما ورد في مسند أحمد عن ابن عمر قال كان يوم عاشوراء يوماً يصومه أهل الجاهلية فلما نزل رمضان سئل عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هو يوم من أيام الله تعالى من شاء صامه ومن شاء تركه

وفيه أيضاً: عن ابن عباس قال قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فإذا اليهود قد صاموا يوم عاشوراء فسألهم عن ذلك فقالوا هذا اليوم الذي ظهر فيه موسى على فرعون فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه أنتم أولى بموسى منهم فصوموه.

كذلك فإننا نعتقد، ويفترض أن جميع المسلمون يعتقدون، بأن النبي﵌ كان أعلم بدين موسى وعيسى من الأحبار والرهبان الذين كانوا حينئذ فضلا عن عامة اليهود والنصارى. فقد سبق أن قال لعدي بن حاتم وكان على دين النصارى ومتعمقا فيه: أنا أعلم بدينك منك90.

وفي نفس الوقت كان حساسا تجاه النفوذ اليهودي لنفوس المسلمين ودينهم فقد كان الله يرى {تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا}91، وذلك {لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ}. وعندما حاول بعض المسلمين أن يقرأ التوراة وينقل ما فيها من المواعظ نهره النبي ونهاه عن ذلك. فكيف يقوم هو بأمر الناس بأن يتابعوا اليهود في صومهم !!

وقبيل الانتهاء من هذه الكتاب عثرت على مناقشة جيدة للمحقق العاملي في الموضوع فألحقت حاصلها به لتتم الفائدة ؛ قال في كتابه الصحيح من سيرة الرسول:

ونحن نعتقد ونجزم: بأن ذلك كله من نسج الخيال. فبعد غض النظر عن:

1. المناقشة في أسانيد تلك الروايات، فإن فيهم من لم يات إلى المدينة إلا بعد عدة سنين من الهجرة كأبي موسى الأشعري، وفيهم من كان حين الهجرة طفلا صغيرا كابن الزبير، وفيهم من لم يسلم إلا بعد سنوات من الهجرة كمعاوية.

2. وعن تناقضها فيما بينها، يكفي أن نذكر: أن رواية تقول: إنه صام يوم عاشوراء في المدينة، متابعة لليهود، ولم يكن يعلم به. وأخرى تقول: إنه كان يصومه هو والمشركون في الجاهلية. وثالثة: إنه ترك يوم عاشوراء بعد فرض شهر رمضان. وأخرى: إنه لما صامه قالوا له: إنه يوم تعظمه اليهود، فوعد أن يصوم اليوم التاسع في العام المقبل، فلم يأت العام المقبل حتى توفي﵌..