أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

وهنا قد يمكن القول بأن معنى المراد في هذه الروايات من: الأشعث والأغبر، أنه ما كان في مقابل التدهين والاكتحال والتزين، وحينئذ لا ينافي الاغتسال، وشاهد ذلك ما ورد في المحرم، فإنه يستحب أن يكون أشعث أغبر، ومع ذلك يستحب له الاغتسال غسل الإحرام، فهو يغتسل للاستحباب، ولكنه لا يكتحل، ولا يتزين ولا يتطيب، وربما يؤيد هذا رواية267 عن أبي عبد الله﵇ (.. فإذا أردت المشي إليه فاغتسل ولا تطيب ولا تدهن ولا تكتحل حتى تأتي القبر..).

ويظهر والله العالم أن الأئمة﵈ لم يكونوا يريدون أن تتحول الزيارة إلى نوع من النزهة والتفرج، واللهو مما ينافي الغرض من الزيارة التي تهدف إلى تذكر مواقف الحسين﵇ وما جرى عليه من مآس ومعاناة، ومعرفة حقه وتجديد العهد معه للسير على نهجه وطريقه، فإذا فُرّغت الزيارة من محتواها ومضمونها ذاك، أصبحت أقرب إلى التلهي منها إلى تحقيق أهداف الزيارة.. ففي رواية عن الصادق﵇: إن قوما إذا زاروا الحسين بن علي حملوا معهم السُّفر فيها الحلاوة والأخبصة268 وأشباهه لو زاروا قبور أحبائهم ما حملوا ذلك269.

وفي رواية أخرى عن أبي عبد الله﵇: تزورون خير من أن لا تزورون، ولا تزورون خير من أن تزورون، قلت: قطعت ظهري، قال: تالله إن أحدكم يخرج إلى قبر أبيه كئيبا حزينا وتأتونه انتم بالسُّفر؟! كلا..حتى تأتونه شعثا غبرا270.

ولعل هذا المعنى هو الذي يستفاد من العنوان الذي عنون به صاحب الوسائل الباب المذكور فرأى أنه ينبغي أن يكون الزائر ملازما للحزن: ـ باب انه يستحب لمن أراد زيارة الحسين﵇ أن يصوم ثلاثا آخرها الجمعة، ثم يغتسل ليلتها ويخرج على غسل تاركا للدهن والطيب والزاد الطيب ملازما للحزن والشعث والجوع والعطش ولا يتخذه وطنا.

ويحتمل الحمل على التخيير، بين الحالتين. كما أن بعض الفقهاء أيدهم الله قد احتملوا الحمل على اختلاف الزيارات، فالمطلوب في زيارة عاشوراء هو ما ذكر من التشعث، والتغبر.. الخ وربما يكونوا قد استفادوا في ذلك من التعليل الموجود في ذيل بعض هذه الروايات، فإن الحسين قد قتل وهو َشِعث مغبر.. بينما في سائر الزيارات، الاستحباب هو للاغتسال ولبس نظيف الثياب. ولم أجد في مقدار ما نظرت اختصاص زيارة عاشوراء بعنوانها بالتشعث والتغبر حتى يجمع بين الطائفتين بحمل هذه الروايات على خصوص زيارة عاشوراء. والله العالم.

�س: سؤال: هل كان أبو الفضل العباس ناسيا لعطش الحسين﵇ عندما اقتحم نهر الفرات، (فتذكر) عطش الحسين﵇ لما أراد الشرب؟ و ألم يكن المناسب أن يشرب الماء لكي يتقوى على قتال الأعداء؟ أو كان يجب عليه الشرب لكي يحافظ على نفسه من الهلاك؟

الجواب: أصل الخبر هو ما ورد في مقتل الحسين لأبي مخنف الأزدي271 كما نقل: (.. فقال له الحسين ﵇. ان عزمت فاستسق لنا ماءا، فاخذ قربته وحمل على القوم حتى ملأ القربة قالوا واغترف من الماء غرفة ثم ذكر عطش الحسين ﵇ فرمى بها وقال:

يا نفس من بعد الحسين هوني وبعده لا كنت ان تكوني

هذا الحسين وارد المنــون وتشربين بارد المعــين272

هذا هو المصدر الرئيس للخبر، وقد ذكره في البحار بعنوان في بعض تأليفات أصحابنا.

الموجود هو وصف المؤرخين لحالة أبي الفضل العباس وهو ليس سوى وصف ظاهري، للواقعة من دون أن يعلم الراوي عما كان يعتلج في نفس العباس حينئذ.كما أنه لم يرد ذلك في نص روائي معتبر عن المعصوم حتى يفيدنا علما بالموضوع.