الملاحظة الثالثة: يبقى الاحتمال دائرا بين شمر بن ذي الجوشن وبين سنان بن أنس النخعي، وبالنسبة إلى الثاني فإن أكثر الروايات التاريخية تتحدث عن أنه قتل الامام، أو احتز رأسه، بينما تتحدث الروايات المنسوبة لأهل البيت المعصومين﵈ عن أن القاتل شمر وأنه هو الذابح.
ويحتمل أن يكون القاتل هو شمر بن ذي الجوشن الضبابي، وأن الذي احتز رأسه فيما بعد القتل هو سنان بن أنس، ويمكن الاستشهاد لهذا بعدة أمور:
ما ذكر في أكثر من رواية تاريخية أن شمر بن ذي الجوشن أمر أن ينزلوا إليه وأنهم ما ذا ينتظرون به، فنزل إليه سنان فأرعد وخاف وتراجع (وبعضها يفصل أنه نظر إلى عينيه فرأى فيهما عيني علي ابن أبي طالب أو عيني النبي﵌) فاكتفى من ذلك بأن طعن الامام الحسين﵇ بالرمح، ثم ولى خائفا، فتولى شمر أمر قتله، ثم بعد أن قتل الشمر الحسين﵇ وأجهز عليه، لم يبق المانع الذي منع سنان قبلئذ، فاحتز رأسه.
يظهر من روايات أخرى أن سنانا هذا كان حريصا على أن (يحوز) برأس الحسين﵇ مهما كلف الأمر، ولعل شمرا الذي كان يهمه فقط إنهاء المعركة منتصرا !! وفي وقت سريع ولذا لم يتحمل تردد البعض، فصاح بهم ماذا تنتظرون؟ ولم يكن همه في رأس الحسين، قد التقت رغبته مع رغبة سنان الذي كان يهمه فقط أن يظفر برأس الحسين255، إما ليفتخر به أو ليحصل على الجائزة هذا بناء على أنه هو قائل الأبيات المذكورة (إملأ ركابي..)256.
وإذا أعدنا إلى الذكر ما سبق من التفريق بين القتل وحز الرأس، وأنه يظهر أن الذي حصل شيئان مختلفان قد قام بكل جريمة منهما شخص يختلف عن الآخر، أمكن لنا تصوير الجمع بين ما هو في الروايات التاريخية، وما ورد في بعض المرويات المنسوبة257 لأهل البيت﵈.
أن اختصاص شمر بن ذي الجوشن في زيارة عاشوراء باللعن (إضافة إلى يزيد وابن زياد وعمر بن سعد وهم من يمكن أن ينسب إليهم القتل لأمر الأولَين وقيادة الثالث كما ذكرنا في البداية من صحة نسبة بعض الأفعال لمتعددين مع أن المباشر له واحد ـ)، هذا الاختصاص لا مبرر له غير دوره الاستثنائي في هذه الجريمة، وهو القتل وإزهاق روح الامام المعصوم صلوات الله عليه، الأمر الذي ذكر في زيارة الناحية.. والحد المذكور في زيارة الناحية وهي الأكثر تفصيلا في هذه الجهة من عاشوراء، أنه (جالس على صدرك، مولع (مولغ)258 سيفه على نحرك، قابض على شيبتك بيده، ذابح لك بمهنده..) وهذه لا تفي بمعنى أكثر من القتل. والذبح يمكن حصوله من دون حز الرأس بكامله.
ولم يذكر سنان بن أنس في روايات أهل البيت، غير الرواية التي وردت في الأمالي ويظهر فيها أن سنان كان مستقلا بأمر القتل بتمامه دون شمر، وهو مخالف للمشهور من أن شمرا كان له دور أساس في القتل..
وهناك ملاحظة أخيرة وهي احتمال حصول الاشتباه عند بعض ناقلي الخبر لا سيما ممن كان حاضرا، بين الشمر وسنان، فإن الأخير كان شديد الشبه259 بالأول من ناحية الشكل كما ذكروا.