وعلى كل حال فحتى على القول بالكراهة، فقد استثني من كراهة لبس السواد، لبسه بداعي الحزن على سيد الشهداء أبي عبد الله الحسين﵇، فقد قال المحدث البحراني قدس سره: لا يبعد استثناء لبس السواد في مأتم الحسين﵇ من هذه الأخبار لما استفاضت به الأخبار من الأمر بإظهار شعائر الأحزان، ويؤيده ما رواه شيخنا المجلسي قدس سره عن البرقي في كتاب المحاسن أنه روى عن عمر بن زين العابدين﵇ أنه قال: «لما قتل جدي الحسين المظلوم الشهيد لبس نساء بني هاشم في مأتمه ثياب السواد ولم يغيرنها في حر أو برد وكان الإمام زين العابدين﵇ يصنع لهن الطعام في المأتم»377 انتهى.
ولا شك أنه لو كان مرجوحاً ومكروهاً للفت أنظارهن إليه، وخصوصاً مع وجود العقيلة زينب بنت أمير المؤمنين العالمة غير المعلمة.
وبناء على هذا فلو قام الإنسان بلبس السواد بعنوان الحزن على أبي عبد الله﵇ فإنه يشمله ما دل على الترغيب في إحياء أمرهم، وإظهار شعائرهم. ولهذا أفتى بعض علمائنا بالاستحباب في ذلك.
�س: ما مدى صحة الرواية القائلة بأن هنداً زوجة يزيد كانت خادمة في بيت أمير المؤمنين﵇ وأنها قد التقت بها زينب فيما بعد في مجلس يزيد حيث صارت زوجته، فأظهرت تألمها لما أصابهم وخرجت على يزيد في مجلسه حاسرة الرأس؟
الجواب: ما رأيته من النصوص حول هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز هو التالي:
ما ذكره الطبري في تاريخه378: «لما أقبل وفد أهل الكوفة برأس الحسين دخلوا مسجد دمشق وقال لهم مروان بن الحكم كيف صنعتم قالوا ورد علينا منهم ثمانية عشر رجلا فأتينا والله على آخرهم وهذه الرؤوس والسبايا فوثب مروان فانصرف. وأتاهم أخوه يحيى بن الحكم فقال: ما صنعتم فأعادوا عليه الكلام ! فقال: حُجبتم عن محمد يوم القيامة لن أجامعكم على أمر أبدا !ثم قام وانصرف.
ودخلوا على يزيد فوضعوا الرأس بين يديه وحدثوه الحديث قال فسمعت الحديث هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز وكانت تحت يزيد بن معاوية فتقنعت بثوبها وخرجت وقالت يا أمير المؤمنين أرأس الحسين بن فاطمة بنت رسول الله؟
قال: نعم فأعولي عليه وحِدّي على ابن بنت رسول الله وصريحة قريش عجل عليه ابن زياد فقتله قتله الله ! قال ثم أذن للناس فدخلوا عليه والرأس بين يديه ومع يزيد قضيب وهو ينكث به في ثغره ثم قال إن هذا وأنا كما قال الحصين بن الحمام المري:
يفلقن هاما من رجال أحبة
إلينا وهم كانوا أعق وأظلما
.. إلى آخر الخبر.
وفي هذا الخبر إشارة إلى احتجاجها على قتل الحسين﵇ وتبرير يزيد لها بأن الذي قتله هو عبيد الله بن زياد وأنه قد تعجل عليه، وإن لم ينسَ الشماتة ونكت379 ثناياه بقضيب. لكن في النص المذكور أنها تقنعت بثوبها وخرجت.
والثاني ما نقله العلامة المجلسي قدس سره في البحار380 فقال: