تعرض المختار بن أبي عبيدة الثقفي رحمه الله إلى حملة تشويه لحركته ولشخصيته على السواء من قبل فئتين في التاريخ الإسلامي: الأمويين الذين حاربهم في البداية واستأصل شوكتهم، وانتقم لآل محمد منهم، وسيأتي في الملحقات ذكر بعض من أقام عليهم جزاء جناياتهم من قادة الأمويين وأتباعهم الذين كان لهم دور سيء في كربلاء. ومن الزبيريين الذين حاربهم وهزمهم في البداية ومع أنهم قد انتصروا عليه في نهاية الأمر لفترة قصيرة لكي ينهزموا بعدها أمام الأمويين، إلا أن المختار كان قد عبأ الجو الكوفي الذي كانوا يحاولون استمالته إلى جانبهم، عبأه ضدهم فلم ينتفعوا به إلى الأخير. فكان أن شنوا عليه الحرب الاعلامية أثناء المعركة وبعدها.. وإذا علمنا أن من الزبيريين من كان شغله التاريخ وذكر الانساب، فقد غذّوا المصادر التاريخية بعدهم بالمعلومات المشوهة لحركة المختار وشخصيته بما يصل في بعضها إلى التناقض أوالتضاد ولكن ذلك لا يهم إذا كان الغرض عندهم يتحقق.
وربما وصلت تأثيرات تلك الحرب الاعلامية إلى الوسط الذي كان يؤيد حركة المختار مما يشير إليه النهي الصادر عن الإمام بأن لا يسبوا المختار ولا يتكلموا ضده.
فعن أبي جعفر الباقر﵇: لا تسبوا المختار فإنه قتل قتلتنا وطلب بثأرنا وزوج أراملنا وقسم فينا المال على العسرة وقد رواه الكشي بسنده عن حمدويه عن يعقوب عن ابن ابي عمير وهم ثقات عن هشام بن المثنى وهو وإن لم يوثق توثيقاً خاصا إلا أنه ممن روى عنه المشايخ الثقات عن سدير والد حنان وهو ممدوح وممن روى عنه المشايخ الثقات، وقد استحسن هذا الطريق في الخلاصة وكذا السيد بن طاووس.
وعن الصادق﵇ بسند حسن: ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت حتى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين﵇ رواه الكشي عن إبراهيم بن محمد بن العباس الختلي (وهو ممدوح) عن أحمد ابن ادريس عن محمد ابن احمد عن الحسن بن علي (بن عبد الله بن المغيرة) عن العباس بن عامر عن سيف بن عميرة عن جارود بن المنذر (هؤلاء ثقات إماميون).
والغريب أن هذه الحملة المضادة للمختار اشترك فيها (المتخاصمان) الأمويون الذين انتقم منهم ومن أنصارهم، والزبيريون الذين ثار على واليهم في الكوفة وهم الذين تحالفوا فيما بعد مع من استطاع الهرب من قتلة الحسين﵇.. وعملوا على تلك الحملة بشكل دقيق ومستمر مما جعل أثرها يبقى إلى الآن في كتب التاريخ والأدب.
فتارة يصورونه بأنه ادعى النبوة وأن الوحي ينزل عليه وأخرى يتهمونه بأنه من الكيسانية أتباع محمد بن الحنفية، ولا أدري (ولا المنجم يدري) كيف يجتمع ادعاء النبوة مع اتّباع محمد بن الحنفية؟ والمشكلة التي ساعدت على انتشار مثل هذه التهم أن الظرف الذي كان يمر به الإمام زين العابدين لم يكن ليسمح له باظهار علاقة المختار به..