أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

ونحن نلتقي في سيرة النبي﵌، مع أصحابه بهذه الكلمات كما نقل عنه في روايات الجمهور ففي مسند أبي داود الطيالسي روي عن رسول في حديثه مع معاذ:... فقال: يا رسول الله قولك أولا أدلك على أملك ذلك كله؟ فأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده إلى لسانه. فقلت يا رسول الله وإنا لنؤاخذ بما نتكلم بألسنتنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم؟

بل نجد بعضهم يدعو على نفسه بذلك، كما نقل ابن قتيبة في غريب الحديث أن عمر بن الخطاب سار مع رسول الله ليلا فسأله عن شيء فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه ثم سأله فلم يجبه ! فقال عمر: ثكلتك أمك يا عمر نزرت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرارا لا يجيبك (أي ألححت عليه).

ونقل الكوفي في مناقب أمير المؤمنين﵇ كلام حذيفة مع أحدهم عندما استعلم عن فضائل أمير المؤمنين﵇ فقال حذيفة: يا ربيعة إنك لتسألني عن رجل والذي نفسي بيده لو وضع عمل جميع أصحاب محمد﵌ وسلم في كفة الميزان من يوم بعث الله محمدا إلى يوم الناس هذا ووضع عمل علي يوماً واحداً في الكفة الأخرى لرجح عمله على جميع أعمالهم !

فقال ربيعة: هذا الذي لا يقام له ولا يقعد !

فقال حذيفة: وكيف لا يحتمل هذا يا ملكعان (لُكع) أين كان أبو بكر وعمر و حذيفة ثكلتك أمك ـ وجميع أصحاب محمد؟ يوم عمرو بن عبد ود ينادي للمبارزة؟ فأحجم الناس كلهم ما خلا علياً فقتله الله على يديه والذي نفسي بيده لعمله ذلك اليوم أعظم عند الله من جميع أعمال أمة محمد إلى يوم القيامة.

بل نجد أمير المؤمنين﵇ يتحدث عن أخيه عقيل، فيقول له ذلك كما في نهج البلاغة:

(.. وعاودني مؤكدا. وكرر علي القول مرددا، فاصغيت إليه سمعي، فظن أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقا طريقتي، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبربها، فضج ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها. فقلت له: ثكلتك الثواكل يا عقيل، أتئن من حديدة أحماها انسانها للعبه وتجرني إلى نار سجّرها جبارها لغضبه، أتئن من الأذى ولا أئن من لظى..)

هذه الشواهد وهي غيض من فيض تشير إلى أن هذه الكلمة في ذلك الوقت لم تكن تعطي المعنى الذي يتبادر إلى الذهن اليوم.

بل حتى لو فرضنا أن هذه الكلمات كانت تعني الدعاء الجدي والحقيقي على الطرف المقابل بأن تثكله أمه، وأن يموت، فلا مانع من الالتزام بها في مورد مخاطبة الإمام الحسين﵇ مع الحر الرياحي، فإن الحرـ إلى ذلك الوقت كان باغياً على إمام زمانه، ومضيقا عليه مسيره، وحاجزاً له عن حرية الانتقال، بل قادماً لاعتقاله بالقوة ! وهذا يعني إعلان الحرب عليه، ولو قتل في تلك الحال لكان مصيره إلى النار دون ريب، وكان حينئذ على من يناصر الحسين﵇ أن يشهر سيفه في وجه الحر ويقاتله ويقتله لو استمر.. فلا مانع من الالتزام بهذا المعنى.

�س: هل كان الحسين﵇ يعلم بمقتله أم لا؟ والأمر نفسه بالنسبة إلى أمير المؤمنين﵇، فإن كان يعلم فهو إلقاء بالنفس في التهلكة، وإن كان لا يعلم فكيف يمكن تفسير ما يذكر على المنابر من أقوال تفيد علمها﵉ بمقتلهما؟