أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

وأما أنه كيف تمت السيطرة على الأمور بهذه السرعة لصالح بني أمية، فذلك لأنه في أوقات الأزمات الاجتماعية لا يمكن أن يبقى الانتظار سيد الموقف للأخير، وصاحب المبادرة هنا والاقتحام ولو كان من أهل الباطل هو الذي يأخذ بزمام الأمور فيفرض على المجتمع، ولو لمدة، ما يريد. والمتتبع للتاريخ منذ ما بعد رسول الله وإلى أيام الأمويين والعباسيين يرى هذا بوضوح.. فضلا عن التاريخ الإنساني العام.

أما بالنسبة إلى قتل ابن زياد، فقد ذكرت أمور لامتناع مسلم عن القيام بذلك:

1. الناحية الأخلاقية والشرعية: فإنه قد ذكر حديثا عن رسول الله﵌ أن (الإيمان قيد الفتك فلا يفتك مسلم)24، وفي هذا تعليم هام لجميع المسلمين أن لا يتجاوزوا في صراعاتهم للقواعد الشرعية، فلأن يكون هدفك شريفاً وسامياً يتطلب منك وسيلة وأسلوباً متناسباً مع ذلك الهدف.. ولا تبرر أهمية الهدف استخدام الوسائل السيئة، وهذا ما عرف اليوم بأن الغاية أي الهدف الجيد لا تبرر الوسيلة (السيئة).

وهذا ما عُرف به أهل البيت﵈ في طريقتهم في العمل، وفي طليعتهم أمير المؤمنين﵇، فهو لا يغدر ولا يفجر، وإن انتهى حفاظه على القيم إلى أن ينهزم في الظاهر، ويفوز عدوه الذي لا يلتزم بأخلاق في صراع فهو لا يطلب النصر بالجور والغدر (والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر. ولولا كراهية الغدر لكنت من أدهى الناس، ولكن كل غدرة فجرة، وكل فجرة كفرة. ولكل غادر لواء يعرف به يوم القيامة..)25 وربما يفوز هذا الثاني لفترة مؤقتة ولكن النصر النهائي هو لصاحب المنهج الأخلاقي.

وربما تقول: إذاً كيف أمر هاني (أو شريك) بذلك وهو أيضاً من شيعة أهل البيت﵈ ومن كبارهم؟ والجواب على ذلك: هو أن (هاني) قد نفى أن ينطبق ذلك الحديث عليه، فقال: إنما الممنوع هو الفتك بالمسلم بينما ابن زياد في نظره ليس بمسلم بل كافر فاجر.. وسيأتي بعد هذا ذكر ما نقله التاريخ عن الواقعة.

2. كراهية هاني بن عروة أن يتم ذلك الأمر في بيته، فإنه بحسب منطق صفات رؤساء القبائل وهاني بن عروة واحد منهم، لم يكن يريد أن يعرف عنه وعن قبيلته أنه يغدرون بمن يأتيهم، حتى لو فرض أن هناك استثناء في مسألة الفتك، ولقد لاحظ مسلم بن عقيل هذه الرغبة، فلم يشأ أن يتم هذا العمل في بيته مع كراهيته. فقد نقل أبو مخنف حادثتين أعرب فيهما هاني عن كراهية قتله في بيته.. فقد قال ابو مخنف أنه:

...مرض هاني بن عروة فجاء عبيد الله عائدا له، فقال له عمارة بن عبيد السلولي: انما كيدنا قتل هذا الطاغية فقد أمكنك الله منه فاقتله، قال هاني: ما أحب أن يقتل في داري. فخرج فما مكث إلا جمعة حتى مرض شريك بن الأعور وكان كريما على ابن زياد وعلى غيره من الأمراء (وكان شديد التشيع) فأرسل إليه عبيد الله إني رائح إليك العشية.

فقال لمسلم: ان هذا الفاجر عائدي العشية فإذا جلس فاخرج إليه فاقتله ثم اقعد في القصر ليس أحد يحول بينك وبينه، فان برئت من وجعي هذا أيامي هذه سرت إلى البصرة وكفيتك أمرها !.