أسئلة في السيرة والثورة الحسينية

بعد التعرض إلى الأقوال، يمكن لنا أن نذكر ملاحظات لعلها تلقي بضوء على الإجابة، ونترك المجال للقارئ أيضاً لكي يتأمل، ويكون صورة عن الحادثة:

الملاحظة الأولى: أنه لا بد من التفريق بين (قتله) و (احتز رأسه) مع أن هاتين الكلمتين أحيانا يذكران في سياق معنى واحد، ولذا فإن الرواة الذين نقلوا الصورة التفصيلية فرقوا بين من (قتله) ومن (احتز رأسه). فإن (حز الرأس) عادة ما يكون بعد القتل، فإن طبيعة عمل المجرمين ذلك أنهم يريدون أن يهدوا أمراءهم رؤوس أعدائهم كما فعل أتباع معاوية برأس عمرو بن الحمق الخزاعي رضوان الله عليه، للتقرب لهم وللحصول على جوائزهم، وأيضا لإضعاف الروح المعنوية لأتباعهم، وهم في هذا حتى يحتزون رأس الميت لهذا الغرض، أو يقتلون شخصا آخر للتلبيس على الأتباع بأن المقتول هو قائدهم252.

والتركيز على الفرق بين الأمرين مهم جدا، ويرفع الكثير من الابهام عن الصورة الحقيقية. فقد ترى نفس الشخص يروي بأن شمرا هو الذي قتل الحسين، وفي مكان آخر يقول إن الذي حز رأسه هو سنان، فيتصور الناظر لأول وهلة أن كلامه متخالف، بينما التدقيق في المسألة بناء على الفرق بين (القتل) و (حز الرأس) ينفي ذلك.

الملاحظة الثانية: أننا نعتقد أن الروايات القائلة بأن خولى بن يزيد الأصبحي هو الذي قتل الحسين أو احتز رأسه ليست قريبة من الواقع، ونعتقد أن الذين ذكروها قد اعتمدوا أساسا على الشعر الذي قاله هذا الآثم أمام أميره وهو يحمل الرأس، طمعا في الجائزة:

إملأ ركابي فضة أو ذهبا

إني قتلت السيد المحجبـا

قتلت خير الناس أماً وأباً253

وأول ما في ذلك أن هذه الأبيات أيضاً نسبت لسنان بن أنس النخعي، ولو صحت نسبة الأبيات له فالصورة التي يمكن رسمها من خلال ما ذكر عن تـأريخ هذا الرجل هي صورة الرجل المعتوه الذي لا يقدّر ولا يعرف حتى كيفية طلب الجائزة من أعداء القتيل وهم قادته !! فإن من يريد جائزة من عمر بن سعد أو من ابن زياد أو يزيد لا يصح أن يتوسل في ذلك بمدح عدوهم بأنه خير الناس أماً وأباً، وأنه السيد المحجب !! ولذا قيل أنه قد منع من العطاء ورُد بقولهم: إن علمت أنه خير الناس أما وأبا فلمَ قتلتَه؟

وفي الوقت الذي كانت سائر القبائل والأفراد يتحامون عن قتله ويترددون في ذلك لكيلا ينسب الفعل إليهم، يقوم هذا الرجل بالافتخار بذلك، مع العلم أنه لم يفعل ! مما يعطينا صورة عن شخص أقرب إلى العته منه إلى الشخص السوي !

والظاهر والله العالم أن الحسين﵇ بعدما قُتل، وحز رأسه، أعطي هذا الرجل رأسه لكي يحمله إلى ابن زياد كما هو الثابت أنه حمله فيما بعد وانطلق به إلى الكوفة بعد المعركة (مشتركا مع حميد بن مسلم الأزدي أو أن هذا في مهمة حمل الرأس وذاك في مهمة إخبار عائلة عمر بن سعد عن سلامته !). ويشهد له أن أكثر من رواية تفيد أنه بدر إليه خولى فأُرعد (أصابته الرعدة من الخوف) فتراجع. وأيضا ما ذكره أكثر من مصدر أنه قد دفع إليه الرأس254. إضافة إلى أنه لم يأت له ذكر في أي من الأخبار مهما كانت أسانيدها المنسوبة إلى أهل البيت﵈ باعتباره القاتل.