إنا كنا نمد أعناقنا إلى قدوم آل نبينا ونمنيهم النصر ونحثهم على القدوم فلما قدموا ونينا وعجزنا وادهنّا وتربصنا وانتظرنا ما يكون حتى قتل فينا ولدينا ولد نبينا وسلالته وعصارته وبضعة من لحمه ودمه إذ جعل يستصرخ ويسأل النصف فلا يعطاه اتخذه الفاسقون غرضاّ للنبل ودرية للرماح حتى أقصدوه وعدوا عليه فسلبوه ! ألا انهضوا فقد سخط ربكم ولا ترجعوا إلى الحلائل والابناء ! حتى يرضى الله والله ما أظنه رضياً دون أن تناجزوا من قتله أو تبيروا ألا لا تهابوا الموت...
ولم يكن له في تلك الموقعة أثر أو ذكر غير أنه كان يسعى بين المختار الثقفي وجماعة التوابين بالشحناء والفساد، وهذا أمر كان في ذلك الوقت له نتائج مدمرة سواء كان يشعر به فاعله أو لم يكن.
فها هو يقول223: قلت لسليمان بن صرد إن المختار والله يثبط الناس عنك إني كنت عنده أول ثلاث فسمعت نفرا من أصحابه يقولون قد كملنا ألفي رجل ! فقال: وهب أن ذلك كان.. فأقام عنا عشرة آلاف !! أما هؤلاء بمؤمنين أما يخافون الله أما يذكرون الله وما أعطونا من أنفسهم من العهود والمواثيق ليجاهدن ولينصرن !!
2. وبناء على ما سبق فصداقاته لو صح ما نقل ونُقل عنه غير خاضعة لموقف، إذ أنه تارة يتصور بصورة الشخص غير المعروف، بل المجهول حتى اسماً، كما في حواره المذكور مع شمر بن ذي الجوشن الذي سأله عن اسمه فقال له: لا أخبرك. وبين كونه صديقاً شخصياً لعمر بن سعد، فقد روي عنه أنه قال: كان عمر بن سعد لي صديقاً، فأتيته عند منصرفه من قتال الحسين، فسألته عن حاله، فقال: لا تسأل عن حالي، فإنه ما رجع غائب إلى منزله بشر مما رجعت به، قطعت القرابة القريبة، وارتكبت الأمر العظيم224.
وفي نفس الوقت هو يحشر نفسه مع التوابين، ويعد نفسه (من فرسان الشيعة) ويصادق إبراهيم بن مالك الأشتر القائد العسكري للمختار، والذي كان يكثر من الدخول به (بحميد على المختار) وإن كان ذلك لم ينفع في تبرئته من إثم المشاركة في كربلاء، ولذا طلبه المختار فيمن طلب.
3. عاش حياته بطريقة الصحفي أو الاعلامي الذي يبحث عن الحوادث المتميزة، ويرويها لغيره، لم يكن صانع خبر، وإنما متتبعا للأخبار، وبالذات الأخبار شديدة الاثارة، فهو في المقتل يفصل ما استطاع اللحظات الأخيرة، بما فيها من إثارة للمستمع، و(يستعرض) (سماع أذني من الحسين يوم قتل علي الأكبر..)، وهو يأتي ببعض الكرامات الحسينية سواء في المعركة أو بعدها، لكن هل تؤثر فيه هذه لتعديل موقفه؟ كلا إنما يكتفي منها بجانب الاثارة والنقل، ففي الطبري ينقل عنه:.. ونازله عبد الله ابن أبي حصين الازدي وعداده في بجيلة فقال يا حسين ألا تنظر إلى الماء كأنه كبد السماء والله لا تذوق منه قطرة حتى تموت عطشاً !
فقال حسين: اللهم اقتله عطشاً ولا تغفر له أبداً!
قال حميد بن مسلم: والله لعدته بعد ذلك في مرضه فوالله الذي لا إله إلا هو لقد رأيته يشرب حتى بغر225 ثم يقئ ثم يعود فيشرب حتى يبغر فما يروى فما زال ذلك دأبه حتى لفظ غصته يعنى نفسه226.
هذا ما تيسر لي البحث عنه حول شخصية الراوي المذكور وحياته العامة، وأما هل أن ذلك يؤثر على رواياته التاريخية حول المقتل وما يرتبط به، فقد تمت الاجابة عليه في القسم الأول من هذا الكتاب.