1. من المعلوم أن مستويات السائلين للإمام الحسين﵇ تتفاوت وتختلف، فمن الحكمة أن تكون الأجوبة على (قدر عقولهم) فليس معقولا أن يجيب شخصا قد تربى على التخاذل، وآثر الحياة الدنيا، بأنه لا بد من الثورة على الظالمين، وأمر الإسلام أعز من أمر الشخص وحياته. ولو أجابه بذلك النحو لما وافق الحكمة. وإنما ينبغي أن يقرب له الهدف الذي ينشده بمقدار ما يستطيع ذلك الشخص تعقل وإدراك الكلام الحسيني.
2. إن النصوص التي تركها الإمام الحسين﵇ من خلال محاوراته أو تلك التي ابتدأ بها الناس، تنقسم إلى قسمين:
قسم يمكن اعتباره وثائق أساسية تمثل العناوين الرئيسة لكامل نهضته وحركته، وتلقي الضوء على كل تفاصيلها.وهي بمثابة (الروايات الحاكمة) في تعبيرات الفقهاء، التي تقوم بالشرح والتفسير لغيرها، ولو خالفتها غيرها فإن هذه الروايات الحاكمة، هي التي تتقدم، بغض النظر عن نسبة باقي الروايات إليها.
هنا أيضاً في النهضة الحسينية نحن نجد بعض الكلمات له صلوات الله عليه بمثابة هذه الروايات الحاكمة، وخطابات أو وصايا هي التي تفسر مجمل حركته.
وهناك قسم من كلماته، لا تعبر عن هذا المعنى المتقدم، وإنما ربما قيلت في جواب من لم يشأ الإمام﵇ أن يخبره بتفاصيل أهدافه. والخطأ الذي قد يقع فيه مؤرخون أو قراء للسيرة هو الخلط بين القسمين من الكلمات، فيقيسون نهضة الحسين بمقياس الكلمات من القسم الثاني مع أنها لا ينبغي أن تقاس إلا بالنحو الأول.
3. إن هناك عدة عوامل يمكن الحديث عنها في النهضة الحسينية، وكل واحد من هذه العوامل كان يتطلب نوعا من رد الفعل، والتوجيه الخطابي والثقافي، وكان الإمام﵇ بحسب تقديره للظرف يجيب بالنحو المناسب.
فقد كان من عوامل النهضة الحسينية164: رفض البيعة ليزيد، واستجابته لدعوة أهل الكوفة بأن يقدم إليهم، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وهذه العوامل بينها ترتيب في الأهمية، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان أهم العوامل، جميعا وقد حدد الإمام﵇ في بداية خروجه هدفه بأنه يريد هذا الأمر، وبقي هذا العامل على قوته ودفعه إلى الأخير، بعدما تعطلت العوامل الأخرى، فإنه بعدما ظهر للجميع أن دعوة أهل الكوفة ليست بتلك الصورة، وإن كان الحسين﵇ ليس بعيدا عنها، ولكنه لم يكن ليستطيع أن يغفل آلاف الرسائل الواردة إليه من قبلهم، بما كان يقوله آخرون أنهم لن يفوا ولن يستمروا ولن يصمدوا وبالتالي فإن عليه أن لا يعطيهم غير الأذن الصماء. هذا لم يكن صحيحا، وإنما استجاب الإمام﵇ إلى بيعة أهل الكوفة وطلبهم منه أن يقدم عليهم.
ولكن هذا العامل لم يكن العامل الأساس، فقد أشار عليه الكثيرون ومنهم ناصحون له بأن لا يذهب إليهم، ولم يكن أيضاً بالذي يعزب عنه الرأي.
كما أن عامل رفض البيعة لم يكن العامل الأساسي وإن كان أهم من عامل بيعة أهل الكوفة، إلا أنه كان يمكن له أن يتخلص من البيعة باللجوء إلى اليمن أو الاحتماء بالحرم أو غير ذلك مما أشار عليه به عدد من الصحابة.
والخطأ هو عندما تختلط هذه الأمور فيظن البعض أن الحسين إنما خرج استجابة لكلام أهل الكوفة، فخُدع بهم !! بينما هو يقول أنه إنما خرج لطلب الإصلاح وللأمر بالمعروف.
وقد تحدث الإمام﵇ عن كل واحد من العوامل على حدة، وفي بعض الحالات كان يجمع عاملين في الحديث. كما سيأتي.
من الأمثلة على العناوين العامة وهي بمثابة الأصول الأصيلة للثورة الحسينية ما يلي من الكلمات: