شارب الخمر كعابد وثن
تفريغ نصي الفاضلة أم سيد علي الفلفل
صياغة الفاضل عبد العزيز العباد
المقدمة:
بسم الله الرحمن الرحيم
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ )[١]. صدق الله العلي العظيم
سوف نتحدث – إن شاء الله تعالى – في محاضرتنا هذه عن أحد الكبائر وهو شرب الخمر أعاذنا الله وإياكم والمؤمنين من كبائر الذنوب وصغائرها وعن مراحل تحريمه والعقوبات التي تنتظر شاربها والآثار المترتبة على شارب الخمر وعن تشبيهه بعابد الوثن كما ورد في الروايات.
تتفق كلمة المسلمين جميعاً على تحريم شرب الخمر، وعلى أنه جناية ومعصية كبيرة بالرغم من أننا لا نجد في القران الكريم توعداً بدخول النار على خصوص من شرب الخمر بشكل واضح وصريح، فالآيات التي تناولت تحريم الخمر على ما هو المشهور عند المفسرين وكذلك عند قسم كبير من الفقهاء يقولون أن تحريم الخمر مر بمراحل متعددة ولم يأتي تحريمه دفعياً.
المرحلة الأولى لتحريم الخمر
ففي البداية نهى القران الكريم الإنسان أن يكون ثملاً سكراناً في حال الصلاة، حيث فقال تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ )[٢] وفُسر هنا بسكر الخمر، وإن كان هناك تفسير آخر لهذا المعنى يتناسب مع النظرية الأخرى التي تفسر (وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ ) بمعنى سكر النوم أي لا تأتي الصلاة وأنت نصف نائم بحيث لا تفقه ما تقول ولا تسيطر على حاستك الإدراكية، إلا أن المشهور حملوها على سكر الخمر واعتبروا هذه الآية المباركة مرحلة من مراحل تشريع حرمة الخمر.
المرحلة الثانية لتحريم الخمر
جاءت مرحلة أخرى بناء على هذه النظرية وقالت بأن الآية المباركة أطلقت أمر الإثم على الخمر حتى في غير الصلاة كما في قول الله عز وجل (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا )[٣]، فالخمر والميسر فيهما إثم وإثمٌ ليس عادي بل إثمٌ عظيم وكبير، مع وجود بعض المنافع المادية للميسر كمن يكسب المقامرة من القمار وربما تكون منفعة مادية لمن يتاجر بها وهكذا على الاقل في زعم الفاعل والشارب وأي إنسان عندما يقال له هناك منفعة في هذا العمل فيعني ذلك منفعة مادية أو منفعة بدنية إلا أنه في نفس الوقت يوجد فيه إثمٌ عظيم وكبير في فعل هذا الأمر، فالعاقل ينبغي أن يرتدع عن ممارسة ذلك الفعل الآثم وإن كان فيه بعض المنافع.
المرحلة الثانية لتحريم الخمر
في هذه المرحلة ما جاء في سورة المائدة من خلال الآيتان اللتان تلوناهما (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ... ) مع ملاحظة أن سورة المائدة بالنسبة الى القرآن على ما هو معروف عند العلماء والمفسرين هي بمثابة التوقيع النهائي للأحكام ، ولذلك كانت آيات سورة المائدة بما تحويه من أحكام مشرعة فيها أحكام نهائية قادرة على نسخ ما قبلها ايضاً، فقد ورد ( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)[٤]
فعلى سبيل المثال في هذه السورة ذكرت بعض الاحكام كالعقود وكيفية والوضوء وغيرها فكأنما سورة المائدة هي التوقيع النهائي على الأحكام التي سبقتها.
في هذه المرحلة جاءت في سورة المائدة لتقول أن الخمر والميسر والأنصاب والازلام كلها رجس من عمل الشيطان فاجتنبوها، فيعني أن هناك ثلاث حيثيات في هذه الآية المباركة والتي تقتضي التحريم:
أولاً : من حيث أنه رجس وينبغي أن يجتنب الإنسان الرجس.