و قوله( و آتوا النساء صدقاتهن نحلة ) ٧ ويقول ( ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف )٨ وكذلك بالنسبة لليتيم يعاني من الضعف والانكسار والشعور بعدم الانتماء والانقطاع والانفراد ، لذا في المقابل يضع بعض التوجيهات الأخلاقية التي من شأنها الحفاظ على كرامة اليتيم والتخفيف عنه ، فعلى سبيل المثال ورد في الرواية ( من مسح على رأس يتيم لم يمسحه إلا لله كان له بكل شعرة مرّت عليها يده حسنات )٩ ويقول ( أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين وأشار بالسبابة و الوسطى ... )١٠
لكنّ هذه التوجيهات الأخلاقية لا تنتهي إلى نتيجة مالم تتحوّل إلى قانون تشريعي يلتزم به الإنسان ، ومن جملة هذه القوانين المحافظة على أموال اليتيم مادام غير قادرًا على التصرف فيه بحكمة أما إن بلغ سن الرشد وكان حكيمًا في التصرف حينئذٍ لا يحقّ للولي الاحتفاظ بأمواله و احتكارها.
قال تعالى ( و آتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلّوا .. ) أمر بإرجاع أموال اليتامى وعدم التصرف فيها وضمّها للأموال الخاصة للكافل ، وقد نزلت هذه الآيات عندما أتى شاب يشتكي لرسول الله من عمه الذي كان وليًا عليه ولم يعطه أمواله عندما بلغ سن الرشد بحجة أنّه يحافظ على أمواله ويجمعها له ، فاستدعاه رسول الله وطلب منه إعطاءه أمواله حيث نزلت هذه الآية وامتثل لأمر الله ورسوله وقال ( أطعنا الله وأطعنا الرسول ونعوذ بالله من الحوب الكبير )١١
٢/ الحكم الثاني يختصّ بمن يريد الزواج بالمرأة اليتيمة فإذا كان يخاف من عدم العدل فليترك الزواج بها وله أن يتزوج بأخرى ، وله أن يتزوج مثنى وثلاث ورباع وليست الواو هنا بمعنى الجمع بل بمعنى التخيير ( أو ) ، حيث أنّ البعض ادعى أنّ الشيعة الإمامية تجوّز للرجل الزواج بتسع النساء استنادًا لهذه الآية وعدم فهمه الفهم الصحيح وهذا افتراء وتجنّي على الطائفة الشيعية حيث أنّ الواو هنا بمعنى التخيير ، ولا يحلّ للرجل أن يتزوّج بشكل دائم بأكثر من أربع نساء.
فإذا خاف الإنسان عدم العدل بين النساء فلا يقدم على الزواج بأكثر من واحدة حتى لا يكون ظالمًا.
٣/ الحكم الثاني يتحدّث عن دفع المال إلى اليتيم عندما يبلغ الرشد ، والبلوغ حدٌ تكويني تترتّب عليه آثارًا شرعية وأحكامًا يتوجّب على المكلّف القيام بها، والبلوغ يكون بظهور علامات معينة كالاحتلام وظهور الشعر بالنسبة للذكر ، أما بالنسبة للأنثى فعند بلوغ سن التاسعة أو نزول الحيض.
إذا أصبح اليتيم بالغًا مطالبًا بالأحكام الشرعية وأصبح معاقبًا أو محاسبًا أو مثابًا على الأعمال العبادية حينئذ يدفع له الولي ما يخصّه من أموال ولكن بشرط أن يحسن التصرف في هذه الأموال ، وإلا فلا يعطى أمواله لأنّ في ذلك هدر للمال ، ولمعرفة ما إذا كان حكيمًا يحسن التصرف أم لا يجب أن يعرّضه للاختبار ويرى هل يملك الرشد والحكمة أم لا.
هذه الأحكام كلها جاءت لحماية هذه الطبقة الضعيفة فهي من جهة توجيهات أخلاقية وتوصيات بالرحمة والرأفة والرفق ، ومن جهة أخرى هي قوانين إلزامية بهدف توفير الرعاية النفسية والروحية التي من خلالها يستنقذ اليتيم من الشعور بالضعف والغربة والانقطاع ، وقد اعتنى أئمتنا باليتامى و كانوا ملجأ آمنًا لهم ، فهذا أمير المؤمنين عليه السلام الذي كان ملفى لليتامى ولمن لا يجد له سندًا في الحياة ، فقد كان سلام الله عليه يطعم اليتامى بنفسه ويجلسهم في حجره ، كان يلعق اليتامى العسل بيده ، هذا العسل الذي لا يذوقه ، وفي قصة ابنة أبي ذر عندما توفي في الربذة مع زوجته حينما نفاه الخليفة الثالث وترك هذه الابنة اليتيمة وحيدة أوصاها أباها بالوقوف على قارعة الطريق حيث التقت بأصحاب أمير المؤمنين عليه السلام ودفنوا أباها وصلّوا عليه وأخذوها معهم إلى بيت أمير المؤمنين بيت اليتامى و بقيت معزّزة مكرّمة و وجدت من الرعاية والعناية مالم تجد في بيت أبيها.