معرفة الله في كلمات الامام علي عليه السلام
كتابة الأخت الفاضلة زهراء محمد
من خُطبة لأمير المؤمنين عليه السلام: ( أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ، وَكَمَالُ تَوْحِيدِهِ الإِخْلاصُ لَهُ، وَكَمَالُ الإِخْلاصِ لَهُ نَفْيُ الصِّفَاتِ عَنْهُ، لِشَهَادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّها غَيْرُ المَوْصُوفِ، وَشَهَادَةِ كُلِّ مَوْصُوف أَنَّهُ غَيْرُ الصِّفَةِ، فَمَنْ وَصَفَ اللهَ سُبْحَانَهُ فَقَدْ قَرَنَهُ، وَمَنْ قَرَنَهُ فَقَدْ ثَنَّاهُ، وَمَنْ ثَنَّاهُ فَقَد جَزَّأَهُ، وَمَنْ جَزَّأَهُ فَقَدْ جَهِلَهُ، وَمَنْ جَهِلَهُ فَقَدْ أشَارَ إِلَيْهِ، وَمَنْ أشَارَ إِلَيْهِ فَقَدْ حَدَّهُ، وَمَنْ حَدَّهُ فَقَدْ عَدَّهُ، وَمَنْ قَالَ: «فِيمَ» فَقَدْ ضَمَّنَهُ، وَمَنْ قَالَ وَمَنْ قَالَ: «عَلاَمَ؟» فَقَدْ أَخْلَى مِنُهُ. كائِنٌ لاَ عَنْ حَدَث، مَوْجُودٌ لاَ عَنْ عَدَم، مَعَ كُلِّ شَيْء لاَ بِمُقَارَنَة، وَغَيْرُ كُلِّ شيء لا بِمُزَايَلَة• هذا المقطع هو جُزء من إحدى خطب أمير المؤمنين عليه السلام وهي واحدة من خُطب كثيرة تحدث
فيها أمير المؤمنين عليه السلام عن معارف توحيدية عالية، ويُعد الإمام أول من فتق باب الحديث في العقائد وفي معرفة الله عزّ وجل بهذا المستوى وبهذا العمق والدقة في ذلك الوقت من الزمان حيث أن هذه الخُطبة من المفترض أنها أٌلقيت في الفترة ما بين سنة ٣٥ه إلى ٤٠ه أي في الثلث الأول من القرن الأول.• يُعتبر كلام أمير المؤمنين عليه السلام في ذلك الزمان وفي مبحث العقائد وبالذات ما يرتبط بالعلم الإلهي بهذا المستوى من الدقة والتقدم من الأسباب التي دعت بعض المتأخرين الاشتباه والخطأ في القول بعدم صحة نسبة نهج البلاغة إلى أمير المؤمنين مثل الذهبي وآخرين من غير مدرسة الإمامية.• هُناك من اشتبه بهذه الشُبهة القائلة بأن مباحث العلم الإلهي وأن نفي الصفات لا بد أن يكون
لكي تتحقق العقيدة الصحيحة وأن من أثبت الصفات فقد قرن ومن قرن فقد ثنّى ومن ثنّى فقد جزّء لم يتم تداولها إلا في العصور الإسلامية المتأخرة أي من بعد سنة ٢٠٠ وبالتالي أن يتحدث عنها الإمام في العقود الثلاثة الأولى أو الأربعة بعد الهجرة فهذا حديثُ من غير الممكن لأنه لا يوجد أثر ولا حديث عن الخُلفاء ولا عن الصحابة في هذا الشأن بل ولا حتى عُشر معشار مثل هذا الحديث فكيف يتحدث عليّ ابن ابي طالب بهذه الدقة وبهذا العمق في مباحث لم تُطرح في الساحة الإسلامية إلا متأخر بعد ١٧٠ أو ١٨٠ سنة ، والجواب على ذلك أن هذا هو الفرق بين عليّ ابن ابي طالب عليه السلام وبين غيره من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآلة
ولو كان عليّ ابن ابي طالب كغيره من أصحاب النبي لما اعتنى به الامامية هذا الاعتناء ولما أعتُبر كلامه كلام رسول الله وهو مصدر من مصادر التشريع ولو كان حديثه كحديث من عاصره من الأصحاب لما كان له ميزة عليهم فهو باب مدينة علم رسول الله صلى الله عليه وآلة ففتح شيء من تلك الكنوز المخبوءه وأفهم الناس كيف ينبغي أن يُتحدث عن الله عزّ وجل وهذه هي ميزة الإمام عن غيره وإنما هو علم يُتوارث عن رسول الله فحديثه عليه السلام في هذا المبحث وبهذا المستوى والعمق ليس مُستغرباً وليس نادراً لأن نهج البلاغة مليء بخُطب الإمام عليه السلام التي تحتوي على مباحث عالية من العلم الإلهي والعلم الطبيعي بالإضافة إلى سائر المباحث الدينية.*تأملات في الخُطبة... يقول الإمام
(أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ، وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ)تُعتبر معرفة الله جلّ وعلا من مسائل أصول الاعتقاد التي تتقدم في الشرف والمرتبة والأهمية على مسائل الفروع الفقهية كوجوب الصوم والصلاة بالرغم من أهميتها إلا أن أصل الاعتقاد بالله ومعرفته هو الأصل فهناك من درجات المعرفة ما هو كامل وناقص ومشكك فعندما يكون حدّ تصديق الانسان بمستوى القول بأن الله موجود وهو سميع بصير هذه ليست معرفة تامة بل ناقصة ومُشككة بأصل وجود الله سبحانه وتعالى. (وَكَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْديقُ بِهِ، وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ) التصديق به يعني الجزم بنسبة الشيء إلى الشيء كالجزم بأن الله بصير أي أن تكون مستيقن بنسبة هذا الأمر إلى الله تعالى، وكمال التصديق به توحيده لأن معرفة أن الله موجود توجد عند كثير من الناس حتى كفار قريش