إن النماذج التي عرضتها الآيات المباركة، نموذجان للمؤمنين، وواحد للكافرين، يراد منها أمور:
منها : أن الأنبياء والأوصياء يعيشون الحالة الطبيعية في المجتمع باختلاف صوره، فلا يتصور أحد أن النبي حين يأتي إلى مجتمع ما، فإنه يعيش ضمن أجواء بها حالة من النزاهة والقداسة، والرفعة والمناقب. إنما يعيش في مجتمع طبيعي، ويتزوج وينجب في نطاق هذا المجتمع، فتجد نبياً زوجته في مستوى عالٍ ويضرب بها المثل. كما تجد زوجة أخرى في أدنى الدرجات تخونه في رسالته، ولا تعتني بدعوته، بل تتآمر عليه مع الكفار، كما هو الحال في زوجة نوح وزوجة لوط، حيث كانتا تتآمران مع الكفار على النبيين. بل نجد في قصة النبي لوط (ع) أنه لما كان قومه يأتون المنكر ويقطعون السبيل ويمارسون الشذوذ، وكانوا يعتدون على كل من يأتي لبلدهم، وعندما جاءت الملائكة لتوقع العذاب عليهم، جاءت زوجة النبي لوط إلى قومها الكافرين، وأخبرتهم بوجودهم عند النبي، وأن من له رغبة بهم فليأتي. وهذا غاية في البذاءة والشناعة؛ فلم تكن غير مؤمنة برسالة النبي وحسب، وإنما تتآمر مع الكفار وتحرضهم على ضيوف النبي.
فنجد إذاً أنبياء زوجاتهم بهذه النماذج. وفي المقابل، نجد نبياً زوجته كخديجة (ع) وهو نبينا محمد (ص). وهذا يفتح لنا الباب على مسألة أخرى، وهي ما سبب زواج الأنبياء والأوصياء المعصومين من بعض النساء المخالفات لهم؟ كما جاء المثل القرآني في الآيات السابقة، ويفترض أن تكون هناك أمثلة أخرى إلا أن القرآن الكريم جاء بهذين المثالين وهما امرأة نوح وامرأة لوط،امرأتان خانتا نبييهما. بل إن النبي محمداً (ص) كان فيما بين بعض زوجاته أموراً تحدث عنها التاريخ. ونأتي إلى المعصومين (ع) ،فنجد أن إحدى زوجات الإمام الحسن المجتبى (ع) وهي جعدة بنت الأشعث التي سمت الإمام. كما كان لكل من الإمام زين العابدين والإمام الباقر (ع) امرأة ثقفية، وكانت المرأة التي تزوجها الإمام زين العابدين (ع) تعجبه، فما لبث أن طلقها، ولما سئل عن ذلك قال: سمعتها تبرأ من علي بن أبي طالب، فكرهت أن أضم إلى تحري جمرة من جمر جهنم. ويبدو أنها كانت متأثرة بفكر الخوارج، فتركها الإمام (ع) وطلقها. وكذلك الإمام محمد الجواد (ع) تزوج أم الفضل بنت المأمون العباسي، وكانت تصطنع وتفتعل المشكلات مع أم الإمام الهادي (ع)، فقد كانت تنظر إلى نفسها نظرة استعلاء، فهي عربية وابنة الخليفة، وأم الإمام جارية مشتراة و غير عربية. فما السبب إذاً في زواج الأنبياء والمعصومين من الزوجات المخالفات لهم في توجهاتهم وأفكارهم؟ نجيب عن ذلك في نقاط :
أولاً: إن الأنبياء وآل معصومين (ع) إنما يتعاملون مع المجتمع ضمن مقاييسه العادية، لا ضمن مقاييسهم الخاصة بهم. ولو كان الأمر غير ذلك وكان تعاملهم بمقاييسهم الخاصة لما تزوجوا أبداً. فعلى سبيل المثال، لو كان رسول الله (ص) لا يتزوج إلا امرأة بمستواه، لما تزوج إلى آخر عمره، فلا توجد امرأة تكافئ رسول الله (ص). نعم هناك استثناء لأمير المؤمنين والسيدة فاطمة الزهراء (عليهما السلام)، ففاطمة كفؤ لعلي، كما ورد في النصوص الكثيرة لدينا، ولا يوجد نموذج آخر مشابه لهما. فلا يوجد كفؤ للنبي (ص) ولا لسائر الأنبياء و الأئمة (ع) ،يقول الإمام الهادي (ع) :(... ولو لم يُزوجنا الله إلا كفؤ لم يزوجنا أحد)(٧). أي لو كنا نبحث عن المكافئ لنا في المستوى علماً وعملاً وتهذيباً وأخلاقاً لما وجدنا أحداُ.
فالحالة العامة إذاً هي الحالة الاجتماعية التي يتزوج فيها النبي والإمام، ويمارس فيها قدراته العادية وعلمه العادي أيضاً. فعندما يبحث عن زوجة له فإنه لا يستعين بعلمه الإلهي المذخور له من عالم الغيب؛ لأنها ليست من الأمور التي تحتاج إلى علم الغيب والعلوم الخاصة والمعجزة، فالمعصو لا يستعين بالغيبيات في كل أمر يفكر به، وإلا لما نال شيئاً من علو المقام. إنما هذه كفاءات خاصة أعطيت للنبي وللإمام لاستخدامها في مواضع خاصة وليس في كل المواضع.