فلا بد أن نلاحظ ماذا كان لولادة الإمام الجواد من الأثر حتى يعتبره الإمام الرضا المولود الذي يتصف بهذه الصفة أن فيه أعظم البركةُ على الإسلام ، فنحن نعلم أن جميع الأئمة عليهم السلام كانت مواليدهم مباركة ولكن بهذا التعبير نجد في حالة الإمام الجواد شيئًا استثنائيًا ، ولعل ذلك راجعٌ إلى أن الإمام الجواد عليه السلام بولادته ثبت إمامة والده .
كيف ؟
بعد شهادة الإمام موسى بن جعفر عليه السلام نشأت في الشيعة فرقةٌ تسمى بالواقفة وهم جماعةٌ وقفوا على الإمام موسى بن جعفر وقالوا هذا هو القائم وهو الذي سوف يظهر على الدين كله وهو الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا وأنه بعده لايوجد إمام وأنه لم يمت أساسًا لأنه الموعود أن ينصر الله به دينه فإذا كان كذلك فمعنى هذا أن إمامة الرضا غير صحيحة فإذا كان الإمام السابق لا يزال موجود وعلى قيد الحياة وهو الذي وعد العالم به فإذن لا يوجد إمام بعده وبالتالي فإن دعوى الإمام الرضا عليه السلام غير صحيحة .
ماهي معطياتهم واستدلالاتهم في ذلك ؟
قالوا : أن مما هو مرتكزٌ في الذهنية الشيعية أن الإمام لا بد أن يكون كاملًا ، فإذا كان كاملًا فمعنى ذلك ألا يكون عقيمًا ، فالإمام لا يمكن أن يكون عقيمًا لأن العقم نقصٌ في الإنسان فيما يرون والإمام ليس ناقصًا بل هو كاملٌ من كل الجهات . والمشكلة أن الإمام الرضا تأخر إنجابه للولد إلى فترةٍ متأخرة حتى كان كثيرٌ من الناس يسأل الإمام عليه السلام : متى يولد لك ولد ؟ فكان يتمثل بالقول :
لعلك يومًا أن تراني كأنما حولي الأسود الروابد
فإن تميمًا قبل أن يلد الحصى أقام زمانًا وهو في الناس واحد
يعني لا تستعجل فقد كان قبلي من المنجبين كثرةً تأخر بهم الإنجاب .
فلما تأخرت ولادة مولود للإمام عليه السلام كأنما هذه الفكرة بدأت تتثبت وتتركز في نفوس بعض هؤلاء الواقفة وبعض من يؤثرون عليهم فكانوا يقولون للناس أن الإمام لا بد أن يكون كاملًا والعقم يعني عدم الكمال وهذا إمامٌ عقيم يعني لا كمال فيه فيبطلون بهذا إمامة الإمام الرضا عليه السلام .
وحين تسألهم هل انقطعت الإمامة بعد علي الرضا ؟ يقولون : لا لأن الأئمة اثنا عشر وهذا ليس له ولد فإذن الإمامة منقطعة ، فكانت هناك شبهة كبيرة تكاد تتوسع والاعتماد فيها على أن الإمام لم يولد له ولد وهذا يعني أنه عقيم وعقيم يعني ناقص والإمام لا يكون ناقصًا . فلما ولد الإمام الجواد عليه السلام هذه الفكرة سقطت يعني فرقة الواقفية الركيزة الأساسية التي اعتمدت عليها في تثبيت موقفها وفي نفي إمامة الإمام الرضا تلاشت بمجرد ولادة الإمام الجواد عليه السلام لذلك كانت ولادته أعظم بركةً للإسلام لأنها بالتالي أصبح التشيع فوق الشبهات وأصبح بالإمكان الرد على أولئك وكنتم تحتجون بأن الإمام عقيمًا وهذا الإمام قد ولد له ولد وهو الإمام الجواد عليه السلام لذلك وصفه الإمام الرضا بالمولود المبارك والمولود الذي لم يولد أعظم بركةً للإسلام منه .
أمر آخر أثبت شيئًا في الإمامة لم يسبق وجوده وهي أن الإمامة لما كانت ربانيةً والعلم لما كان علمًا إلهيًا فلا يخضع للتدليس والأخذ والاكتساب ولا يخضع للزمان وإنما هو أمرٌ غيبيٌ ومنحةٌ إلهية فأول تجربة صارت في الحالة الشيعية من تولي إمامٌ إمامة وهو صغير السن كانت حالة الإمام الجواد عليه السلام وهذه أيضًا كانت مخاض عسير نظرًا لأنه صعب على كثير من الناس أن يستوعبوا كيف أن شخصًا في هذا العمر القصير ممكن أن يكون مأمونًا على الوحي وعلى العلم الإلهي وعلى الأحكام الشرعية فكانت المسألة مفاجئة بالنسبة لهم فلما جاء الإمام الجواد عليه السلام وكما قلنا قد تأخرت ولادته فمن الطبيعي أيضًا عندما استشهد والده الإمام الرضا عليه السلام كان في عمرٍ قصير . هنا الإمام الجواد واجه هذا التحدي بإبراز ما منحه الله من العلم ، فليس فقط ثبت إمامة نفسه وإنما ثبت إمامة من بعده لأن الإمام الهادي عليه السلام تولى الإمامة وهو صغير السن فلما جاء الإمام الهادي وهو صغير السن وقد عرف الناس عن أبيه الإمامة والعلم والإحاطة بهذا المستوى لم يتساءلوا عن إمامة الإمام الهادي فكانت ولادته بركةً في جهةٍ على إمامة أبيه الرضا وعلى إمامة ابنه الهادي صلوات الله عليهم أجمعين فلعل هذا منشأ لكلام الإمام الرضا أنه ما كان أحد أعظم بركة على الإسلام منه لأنه أهم قضية وهي قضية الإمامة في الدين والإمامة قد ثبتها الإمام الجواد في حق ابنه وفي حق أبيه صلوات الله عليهم أجمعين .