الإمام الحسن العسكري صلوات الله وسلامه عليه، يوضح لنا معنى العبادة بقوله: (لَيْسَتْ الْعِبَادَةُ بِكَثْرَةِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ، وَإِنَّمَا الْعِبَادَةُ بِكَثْرَةِ التَّفَكُّرِ فِي أَمْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ).
إذا إنسان تفكر في أمر الله عز وجل، ولاحظ عظمة الله وقدرة الله سبحانه وتعالى، وفي نفس الوقت لاحظ هذا الإنسان ضآلته وفقره وعجزه، فهو أيضاً في عبادة ما دام يتفكر في أمر الله عز وجل.
هناك رواية جميلة، ينقلها المحقق الأردبيلي أعلى الله مقامه، وهي موجودة في كتب مدرسة الجمهور، يقول في كتابه زبدة البيان في أحكام القرآن : أن العبادة هي كثرة التفكر ، ولهذا هو ينقل رواية مفصلة أنا أشير إليها إجمالاً، يقول فيها : كان رسول الله صلى الله عليه وآله ذات ليلة في بيته مع زوجته عائشة، فأراد أن يقوم من فراشها واستأذنها في ذلك، باعتبار هذا الوقت – مثلا – لها حق أولوية فيه، فاستأذنها في أن يقوم الليل، -أي يريد التعبد الكامل- فقالت: قربك أحب إلي ولكن عبادتك أحب إليك وهي أقرب إلى ربك. - وهذا فُهم منه أنه لا مانع من ذلك -. فقام رسول الله صلى الله عليه وآله، وأخذ يقلب طرفه في السماء ويقول: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابُِالَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[٨] وبعد ذلك بدأ رسول الله صلى الله عليه وآله يبكي، ويقول: ( وَيْلٌ لِمَنْ مَرَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْمُبَارَكَةِ فَلَمْ يَتَفَكَّرَ فِيهَا وَلَمْ يَتَأَمَّلَ فِيهَا) ولم يزل هكذا يصلي ويتفكر ويبكي، إلى أن بلغت دموعه حقويه، إلى أن جاء بلال بن رباح وطرق عليه الباب مؤذناً إياه بالصلاة. - وقت صلاة الفجر - ولا بد أن يأتي النبي صلى الله عليه وآله إلى صلاة الجماعة، فوجد النبي صلى الله عليه وآله يبكي بكاء كثيراً فقال له بلال: يَا رَسُولَ اللهِ أَهَكَذَا تَبْكِي وَقَدْ غَفَر َاللهُ لَكَ مَا تَقَدَمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، قال: أَفَلَا أَكُونُ يَا بِلَال ُعَبْدًا شَكُورًا.
مع الإشارة إلى تفسير الآية عند علماءنا ( لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ)[٩] أن النبي صلى الله عليه وآله لم يكن لديه ذنب أصلاً لا في السابق ولا في اللاحق. فالنبي لم يكن له ذنب لا صغير ولا كبير بالنسبة لله عز وجل، لكن كان بالنسبة إلى قريش كان مذنباً ، وأنه قد ارتكب شيئاً عظيماً في حقهم، وحق آلهتهم، وحق علاقاتهم الاجتماعية، فلما فتحت مكة وأعطاهم بعض الأشياء غُسلت هذه من أنفسهم .
إذن، الرسول الله صلى الله عليه وآله يعتبر أن التفكر في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار عبادة، ويلزم من يقرأ القرآن الكريم ويقرأ هذه الآية المباركة أن يتفكر ويتأمل فيها. فالحقيقة لو أن الشخص تأمل وتدبر قليلاً لابد أن يحدث ذلك التدبر والتأمل تغييراً داخل نفسه، فمن الأشخاص الذين انقلبوا رأساً على عقب وتأثروا تأثراً كبيراً وإن بقي على كفره هو الوليد بن المغيرة، فعندما أرسله كفار قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليقنعه في زعمه أن يترك الرسالة وما هو عليه، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فتحدث إليه فأكمل كلامه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إن أنهيت كلامك، دعني أن أتحدث. قال: قل، فتلا عليه هذه الآيات المباركات (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ. الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[١٠]، فشدت الوليد بن المغيرة هذه الآيات، فظل يتقدم نحو النبي صلى الله عليه وآله كلما استمر في القراءة حتى التصقت ركبتاه بركبتي رسول الله صلى الله عليه وآله من انشداهه بهذا الحديث، فقام وهو ذاهل، فلما رجع إلى قومه ، قال لهم: والله لقد سمعت منه كلاماً ما هو من كلام الإنس ولا من الجن ، وإن له لحلاوة ، وإن عليه لطلاوة ، وإن أعلاه لمثمر وإن أسفله لمغدق وإنه ليَعلو ولا يُعلى عليه.