النبي صلى الله عليه وآله حقق في ذاته العبودية الكاملة، وانعكست هذه العبودية على نفسه فهو يعلم أنه خير خلق الله وأفضلهم، لكنه في داخله يرى نفسه عبداً رقا لا يملك لنفسه نفعً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشورا، ويفتخر بأنه عبد ولا يوجد أحداً أعبد منه، بمعنى أكثر عبودية، فكان جالساً على الحضيض، - حضيض يعني على التراب مباشرة - وأمامه طبق يأكل منه ومعه جماعة، فمرت عليه امرأة، وقالت: "يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ لَتَأْكُلُ أَكْلَةَ الْعَبْدِ وَتَجْلُسُ جِلْسَةَ الْعَبْدِ" على التراب. فقال لها: "وَيْحُكَ وَأَيُّ عَبْدٍ أَعْبَدُ مِنِّي" بل أنا عبد لله عز وجل وأفتخر بذلك.
فإذا تحقق للإنسان حالة العبودية جاءت العبادة مصداق لذلك، فعندما يقول العابد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[٧] يعني نعبدك فقط ونستعين بك فقط، ونحن ليس قدرة على أن نعين أنفسنا ولا نطلب الاستعانة من الغير. لا بد أن يكون هذا شعوراً صادقاً داخل الإنسان نفسه بأنه بالفعل لا يملك من أمره شيء.
أما إذا بالعكس، صار لدى الإنسان شعور داخل نفسه أنه مكتف ومستغن بالأموال والأنصار والأعوان، وهو يرى نفسه بأنه شخص مهم ولا حاجة له لأحد، فمثل هذه هالآيات المباركات لن تؤثر فيه تأثير كامل.
فالحج مصداق واضح على تكريس عبودية الإنسان، بأنه لا يملك أي شيء، حتى بدنه لا يملكه، لا يقدر أن يقص شعرة من بدنه، لا يقدر أن يدمي بدنه أو يحكه، أو يزينه، لا يقدر أن ينظر إلى وجهه. فإذا وافق هذا الشعور عند الإنسان داخل نفسه، سيشعر هذا الحاج بالفعل في داخله أنه سيقول "أنا لا أملك من نفسي شيىء ، وأن نفسي وبدني وكل شيء يرتبط بي هو من الله وإلى الله وبالله. بعد هذا سترى أن الحج قد أعطى أثره الكامل.
وأما إذا أعتقد أحدا غير ذلك، بأنه هو المالك هو القادر هو القاهر هو المستغني عن غيره ... إلى آخره، فمثل هذا الحج وتلك الصلاة وذاك الصوم، لا يؤثر تأثير عبادي قوي عليه. وهذا المعنى الذي يشير إليه أمير المؤمنين عليه السلام في تقديم مرتبة العبودية على ما سواها: ( إِلَهِي كَفَى بِي عِزًّا أَنْ أَكُونَ لَكَ عَبْدًا )
النبي المصطفى صلى الله عليه وآله كان قد حقق في نفسه العبودية المطلقة والتامة لله عز وجل، فكان لا يرى لنفسه شيء ولا في إمكانه أن يصنع شيئ، لا أن ينفع نفسه ولا أن يدفع عن نفسه إلا بأمر الله تعالى ، فتحققت في داخله العبودية التامة.
هل العبادة تعني كثرة الصلاة والصيام والحج وغيره؟
تصحيح النبي لمفهوم العبادة، العبادة كما ذكرنا هي دليل على العبودية، هي علامة، هي كاشف، أنت عندما تصلي وتصوم وتحج وتزكي كل ذلك يُفترض أنه كاشف عن عبوديتك لله، الله أمر هكذا، فيجب عليك أن تقول : أنا يجب أن أمتثل للطاعة كما يُريد الله تعالى، أمر بركعتين لصلاة الصبح، أصلي ركعتين لا أصلي ثلاث ولا أصلي واحدة فأنا عبد مأمور لله عز وجل، أمر أن نصوم في شهر رمضان وليس في شهر شعبان ولا في شهر شوال، فأنا أسمع وأمتثل لكلام الله عز وجل، فأنا عبد داخر مطيع ليس لي رأي ولا كلام آخر أمام كلام الله عز وجل، فالعبادات هي عبارة عن كواشف لعبودية الإنسان.
ماذا تعني العبادة ؟
هناك قسم من الناس يتصورون أن فعل شيىء معين هو كل العبادة، فماذا تعني مفردة عبادة ؟ عندما نقول فلان عابد، ما شاء الله عليه، كثير الصلاة ، كثير الصيام، هذا عابد. هذا من العبادة، وليس كل العبادة.