سيد الكائنات عبادة وعبودية
كتابة الأخت أمجاد عبد العال
صياغة الأخ الفاضل عبد العزيز العباد
مقدمة
بحثنا إن شاء الله تعالى يتناول عبودية وعبادة النبي في ضمن حديثنا عن سيرة سيد الكائنات المصطفى محمد صلى الله عليه وآله. فهل هناك فرقاً بين العبودية والعبادة؟ وهل العبودية أن يعرف الإنسان أنه مجرد عبداً لله تعالى؟ وهل تعني العبادة الصلاة والصوم والحج وما شابهها ؟ وهل يطلق على الإنسان أنه عابد ومتدين من حيث كثرة عبادته؟
سوف نتعرض – إن شاء الله تعالى – خلال هذا البحث إلى جانب مهم من حياة النبي صلى الله عليه وآله، ونسعى من خلال تفهم هذا الجانب أن نقتدي به قدر استطاعتنا وإمكاننا ونصحح بعض المفاهيم الشائعة.
ما الفرق بين العبودية والعبادة؟
يعتقد أن العبودية متقدمة على العبادة، فالعبادة متفرعة من العبودية أو دليل عليها. فالعبودية تعني وجود شعور لدى الإنسان بأنه عبد فقير صغير لرب عظيم كبير قادر، وهو بمثابة عبد لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً ولا موتاً ولا حياةً ولا نشورا.
ورد في الدعاء المستحب الذي نقرأه في ليالي القدر، وفي ليالي الجمع، وبشكل عام: ( اللهم إني أَمْسَيْتُ لَكَ عَبْدًا دَاخِرًا لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِيِ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَلَا أصرف عنها سوءاً ، أَشْهَدُ بِذَلِكَ عَلَى نَفْسِي وَأَعْتَرِفُ لك بِضَعْفِ قُوَّتِي وَقِلَّةِ حِيلَتِي) فهذا الدعاء يراد منه تكريس حالة العبودية عند الإنسان، فإذا تكرست هذه الحالة، حالة أنني لا أملك شيئا إلا من الله، ولا أدفع عن نفسي شيئا إلا بالله، وليس لي نفع لها، وليس لي أن أدفع عنها إلا من الله وبالله عز وجل، فهذه كمال حقيقة العبودية، وهذا المعنى هو الذي يراد تكريسه حتى بالعبادات.
فنلاحظ في القرآن الكريم أنه لا يوجد وصف لأي نبي من أنبياء الله تعالى في أي آية من آياته بأنه نِعْمَ العابد، ولكن يوجد وصف بـ (نِعْمَ) العبد. كما هو واضح في قضية سليمان: (وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ ۚ نِعْمَ الْعَبْدُ)[١]، وكذلك أيوب: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ)[٢]. فـ ( نِعْمَ العبد ) غير ( نِعْمَ العابد ) فتأمل ذلك.
أساسا هناك اشتقاقان: فيشتق من العبادة عابد، ويشتق من العبودية عبد، ولهذا كان محل مدح وثناء في القرآن الكريم من الله عز وجل لأنبيائه، لاحظوا أن الله تعالى عندما يريد أن يتكلم عن صفة من الصفات العالية في سيدنا محمد صلى الله عليه وآله يصفه بعبده: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا)[٣]، كذلك: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ)[٤] وهكذا، حتى صار عندنا في تراثنا الديني وفي واجبات الصلاة تقديم عبودية النبي حتى على رسالته، مع أنه خير المرسلين وخاتم النبيين إلا أن مرتبة العبودية هي مرتبة عالية حققها رسول الله صلى الله عليه وآله، قال تعالى: (فَأَوْحَىٰ إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَىٰ)[٥]، كما إننا لنشهد في الصلاة -في التشهد - وهذا عند جميع المسلمين، "وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ"، والتقديم هنا فيه معنى خاص.
فإذن ، لا بد أن لاحظ أن مرتبة العبودية تتقدم على مرتبة العبادة، فالعبودية مربوطة بالاعتقاد، بالقلب، والعبادة مرتبطة بالأفعال وبالجوارح. وهم يتحدثون عن أن ما يرتبط بالعقائد والقلوب والجوانح مقدم على ما يرتبط بالأعضاء والجوارح. فالعبودية ترتبط بقلب الإنسان، فياله من شعور عظيم، أن يشعر هذا الإنسان بأنه عبد لله عز وجل، فيعرف ذلك من خلال تواضعه.
روي أن الله سبحانه وتعالى أوحى إلى نبيه إبراهيم عليه السلام، فقال: أَتَدْرِي لِمَا اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا؟ - فهذا اللقب عُرِف بـه إبراهيم عليه السلام بأنه خليل الرحمن- حيث جاء في القرآن الكريم (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا)[٦] ،قَالَ: لَا، قَالَ: لِأَنِّي اطَّلَعْتُ عَلَى خَلْقِي فَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْهُم أَكْثَرَ تَوَاضُعًا مِنْكَ. بمعنى أنك أنت يا إبراهيم في داخلك ذليل متواضع، عندك شعور مطلق بالعبودية ، لذلك اتخذتك خليلا. ونحن نعتقد أن نبينا المصطفى صلى الله عليه وآله هو الأول في كل الصفات بما فيها هذه الصفة.