الأمن والعدل والحرية في منهج الإمام علي عليه السلام
تحرير الفاضلة أم سيد رضا
قال سيدنا ومولانا أمير المؤمنين عليه السلام: ( والله لأن أبيت على حسك السعدان مسّهداً أو أجر في الأغلال مصّفداً أحب إلي من أن ألقى الله ظالماً لبعض العباد أو غاصباً لشيء من الحطام، والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت، وأنّا أفعل ذلك لنفس يسرع إلى البلا قفولها ويطول في الثرى حلولها )
لا تقاس الفترات التاريخية في عمر الإنسان بطولها من ناحية الزمان، وإنما قيمتها بمقدار ما يقدم فيها للبشرية والإنسانية، ولذلك قد تكون ليلة واحدة من حيث عطائها ومردوداتها أفضل من ألف شهر من الزمان، بل أفضل من ألف قرن من الزمان، فالفترة التي حكم فيها أمير المؤمنين عليه السلام لا تتجاوز خمس سنوات وأشهر وهي قريبة من الفترة التي حكم فيها وقاد فيها سيد الكائنات محمد صلى الله عليه وآله وسلم، تلك الفترة التي بلغت عشر سنوات، لكن هاتين الفترتين القصيرتين في عمر الزمان خلّفتا للإنسانية تراثاً عظيماً وكبيراً في كيفية إدارة الإنسان نفسه وكيفية تحكيم القيم في حياته وكيفية بناء دنياه بسعادة في طريقه إلى الآخرة والفلاح، هي خمس سنوات وأشهر في حكم أمير المؤمنين ولكن هلمّ وانظر إلى التجارب التي خلّفها هذا الإمام إلى حد أن العالم اليوم يحاول ان يدرس هذه التجربة ويتطلع إلى معانيها ولقد اعتمدت الامم المتحدة قبل مدة قريبة من الزمان بعض هذه التجربة وهو نص الإمام علي عليه السلام وعهده لمالك الأشتر بإعتباره ميثاقاً ونصّاً يفي بكل ما يتطلبه الإنسان من حقوق سياسية واجتماعية ودينية، ولا يزالون على الباب، فلو أتيح لهم ولبلاد المسلمين وحكامهم أن يدرسوا هذه التجربة ويتعرفوا عليها لكانت بلاد المسلمين بل بلاد الإنسان تصطبغ بصبغة أخرى وتتلون بلون آخر.
لو تبعنا بعض المفردات التي ارادها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتحدث عنها القرآن الكريم وطبقها أمير المؤمنين عليه السلام وهو التلميذ الأمين لرسول الله وهو الشخص الذي استوعب كل ما أراده النبي صلى الله عليه وآله فطبقه في حياته ومارسه في حكمه، نتكلم عن ثلاثة مبادى:
المبدأ الأول: الأمن الإجتماعي
المبدأ الثاني: العدل والإنصاف
المبدأ الثالث: مبدأ الحرية
الأمن الإجتماعي وهو غاية من غايات الرسالات السماوية، فنرى أن الله سبحانه وتعالى يقول للناس أن عليهم مسؤولية أن يعبدوه لأنه وفر لهم الطعام وهيء لهم الأمن من الأشياء المخيفة كما قال في كتابه الكريم: ((فليعبدوا رب هذا البيت * الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف))، يتقدم الأمن حتى على الطعام فلا يستطيع الإنسان المملوء خوفاً ورعباً أن يتهنأ بطعام أو شراب او صحة أو مال أو بيت، فحصول الأمن والأمان في المجتمع هو تلك الغاية التي يتحدث عنها القرآن الكريم عندما يضرب مثلاً أعلى للحضارة التي يريد أن ينشأها فيقول: ((ضرب الله مثلاً قريةً كانت آمنةً مطمئنةً يأتيها رزقها رغداً من كل مكان))، وفي هذا ترابط لا يخفى بين الأمان والأطمئنان والرفاه الإقتصادي ومجيء الخيرات من كل مكان، فإذا حصل الامان والأمن في بلد أو مجتمع فإن هذه الأمور تتحقق، فهذا هو المثل الذي يحرك إليه القرآن الكريم.
يعد المسلمين في زمان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيقول لهم: ((لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين مطمئنين محلقين رؤوسكم ومقصرين))، الأمان والأمن في المجتمع سواء أمن الإنسان الشخصي أو أمنه الإجتماعي كان محط التشريعات السماوية فشرعت لأجل ذلك الحدود والديات والقصاص والتعزيرات، فلتأمين حياة الناس وليسير الإنسان في المجتمع وهو آمن على حياته من أن لا يعتدي عليها أحد فقد شّرع القصاص، ومن أجل أن يكون آمناً على ماله فقد شرّع حد السرقة، وحتى يكون آمناً على عرضه فقد شرّع حد الزنا، وكذلك سائر الحدود والتعزيرات هي في هذا الإتجاه، فصناعة الأمن للإنسان على المستوى الشخصي وعلى المستوى الإجتماعي هو أول الأغراض وأول المبادئ التي تتعقبها الحكومة العلوية والحكومة المحمدية.