ما لا يصح في سيرة النبي: قصة بداية الوحي
بسم الله الرحمن الرحيم.
قال الله العظيم في كتابه الكريم:
"ٱقۡرَأۡ بِٱسۡمِ رَبِّكَ ٱلَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ مِنۡ عَلَقٍ (٢) ٱقۡرَأۡ وَرَبُّكَ ٱلۡأَكۡرَمُ (٣) ٱلَّذِي عَلَّمَ بِٱلۡقَلَمِ (٤) "
أمنا بالله، صدق الله العلي العظيم.
لا يزال حديثنا فيما لا يصح من سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله في نظر الشيعة الإمامية، وقد يثبته -أي هذا غير الصحيح- قد يثبته بعض اتباع مدرسة الخلفاء، ونرى أن من المناسب أن يتم توضيح هذه الأفكار والروايات غير المطابقة للواقع، حتى لا يتاثر بها الجو الثقافي الذي يعيشه شيعة أهل البيت، نظراً لاختلاط الأمور الآن.
من العادي جداً أن يدرس اتباع أهل البيت عليهم السلام في مدارس تعلم النظره التي يلتزم بها اتباع مدرسة الخلفاء في قضايا التاريخ وأمثال ذلك. ولو أخذنا على ذلك مثالاً عن قصة الوحي وبداية الوحي لرسول الله صلى الله عليه وآله وانطلاق بعثته، لوجدنا أن كثيراً مما لا يصح هو السائد في الأذهان، بل وعلى الألسنة أيضاً.
فلناخذ هذا الموضوع: قصة الوحي وبداية الوحي، كيف يعرضها الاتجاه الرسمي في مدرسة الخلفاء، وكيف هو الصحيح في مدرسة أهل البيت عليهم السلام؟
قصة بداية الوحي في مصادر مدرسة الخلفاء
يُذكر في (صحيح البخاري) وغيره من كتب السيرة -كسيرة ابن إسحاق وابن هشام، فضلاً عن سائر الكتب التي تقع في المرتبة الثانية فيما يرتبط بسيرة رسول الله صلى الله عليه وآله- قصة الوحي هكذا، ملخص أخاصة أنا أعرضها مع أنها في كتب مختلفه فيها تفاصيل كثيرة لا مجال للحديث عنها، ولكن نعرض لب القصة كما يرويها اتباع مدرسة الخلفاء ثم نعلق عليها ونبين مواضع الاشتباه فيها المخالفة لما نعتقده من الواقع.
في (صحيح البخاري)، يذكر بسنده إلى عروة بن الزبير، عن عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وآله أنها قالت -هنا لابد من التدقيق، هي تقول ذلك ولم تروه عن رسول الله صلى الله عليه وآله، وستاتي الإشارة إلى هذا المعنى لاحقاً-:
أن رسول الله صلى الله عليه وآله أول ما بدئ بالوحي كان بهذا النحو: النبي يذهب إلى غار حراء يتعبد يتحنف، ذات مرة نزل عليه الملاك جبرائيل فسد ما بينه وبين الأفق من ضخامته وعظمته وكبره، ثم قال له مخاطباً إياه: يا محمد اقرأ. قال: ما أنا بقارئ. فاخذه وغته غتاً -في بعض التفاصيل: غته بنمط عبارة عن مثل الشرشف الثخين، لا هو بطانية ولا هو شرشف عادي، فغته به، هل وضعه مثلاً على رقبته؟ هذا قول لبعضهم، وبعضهم قال: أخذه من عنقه وضغطه حتى خاف على نفسه الموت- قال: ما أنا بقارئ. فأخذه وغته وأرسله وقد خاف على نفسه الموت، قال: اقرأ. فقال:
ثم بعد ذلك إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعد أن غادر عنه جبرائيل اضطرب اضطراباً شديداً، هنا بعض النقولات تقول: بقي حائراً متوجساً حتى كاد أن يلقي بنفسه من أعلى الجبل من شدة الاضطراب. وكانت خديجة تذهب إليه فافتقدته، حتى إذا وجدت النبي اخذته من غار حراء ونزل إلى منزلها، قال: دثروني دثروني، زملوني زملوني. عندها أباح النبي -بحسب هذه الرواية، أنا أنقل مضمونها لأنها طويلة جداً لو أردنا أن نقرا نصها- أباح لها بما حدث، فقالت له: يا محمد، إنك لتقري الضيف وتصل الرحم وتحمل الكل -يعني تؤدي الحقوق وما شابه ذلك- وإنك لعلى خير، وأن هذا يوشك أن يكون من السماء، كان هذا من السماء -يعني لا يجي في بالك الذي كان، لأن النبي بحسب هذه الرواية كان يقول لها: إنني أظن أنني الأبعد، يعني مثلاً واحد من الجن أو كذا أو كذا تمثل لي أو ما شابه ذلك- فطمانته خديجة بهذا المعنى بحسب هذه الرواية.