كيف غيّر الركب الحسيني الأوضاع في دمشق؟

كيف غيّر الركب الحسيني الأوضاع في دمشق؟
00:00 --:--

لقد أنكر عليه تقديم ابن زياد (مدعي النسب من زياد بن أبي سفيان) على قرابته ورحِمه من آل الرسول، مستنكراً أن يصبح نسل سمية بغير حصر، بينما يُباد نسل آل الله! وهذا موقف صدع به رجلٌ من صلب الطبقة الأموية الحاكمة.

ومثال آخر: هند بنت عبد الله بن عامر بن كريز (زوجة يزيد)، وهي تنتمي لبيت أموي كان أبوه والياً للبصرة ومن كبار قادة الحرب. (وما يتردد على ألسنة البعض بأنها كانت خادمة في بيت فاطمة أو علي بالمدينة لا صحة له تاريخياً؛ إذ لا يسمح موقعها الاجتماعي ولا انتماؤها الأسري بذلك). لكنها كغيرها من النساء اللاتي يحترمن العفاف والنعمة، تحركت عاطفتها فلما رأت رأس الحسين اقتحمت مجلس يزيد -كما يذكر الطبري- وأنكرت عليه بشدة قائلة: "أرأس الحسين بن علي ابن فاطمة بنت رسول الله في مجلسك؟!".

وعلى صعيد المزاج العام للشام، يذكر المؤرخ ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) ما خلاصته: أنه لما وصل رأس الحسين حظي ابن زياد بمكانة عالية عند يزيد وزاده في العطاء، ولكن لم يلبث إلا قليلاً حتى بلغ يزيدَ بغضُ الناس له ولعنُهم إياه، فندم وقال: "ما كان عليّ لو احتملته! لعن الله ابن مرجانة؛ إذ عجل عليه فقتله وما كان ذلك عن أمري، لقد بغضني إلى الناس!".

وتشير هذه النصوص إلى ثلاثة أمور:

  1. تغير الرأي العام والمزاج الشعبي في الشام ضد بني أمية.
  2. محاولة يزيد الجادة للتنصل من الجريمة وإلقاء اللائمة على ابن زياد.
  3. رجحان الفرضية التاريخية بأن ابن زياد أراد توريط يزيد في هذا المستنقع لإضعافه والطمع في الخلافة بدلاً عنه، بدليل تصديه لتسيير الجيوش لاحقاً لاستتباب الأمر لنفسه قبل أن يُقتل على يد إبراهيم بن الأشتر.

ولم يقتصر الاستنكار على المسلمين؛ بل تعداه إلى غيرهم، كما نُقل عن سفير الروم الذي هالَه المشهد واستنكر قتل ابن بنت النبي مقارنةً بما يفعلونه هم من التبرك بموضع حافر حمار عيسى (عليه السلام).

وقد دفع هذا التحول السريع يزيدَ إلى الاتجاه نحو تلميع صورته؛ فأنزل أهل البيت في منزلٍ حسن، وسمح لهم بإقامة مجالس العزاء والنياحة على الحسين (عليه السلام) خلال فترة إقامتهم التي استمرت نحو ثمانية أو تسعة أيام، حتى شاركهم فيها بعض نساء البيت الأموي. ولما خشي يزيد من استمرار هذه المجالس المفتوحة في قلب العاصمة دمشق وما تسببه من هيجان شعبي، أسرع في تجهيز الركب لإعادتهم إلى المدينة المنورة.

رحلة العودة ومشاعر العقيلة زينب

عرض يزيد على الإمام السجاد (عليه السلام) البقاء في دمشق مكرمين أو العودة إلى المدينة مع كفالة الطريق وتعويض ما سُلِب منهم، فجاء الإمام إلى عمته زينب (عليها السلام) يتباحث معها، فكان ردهما حاسماً ومحتقراً للتعويض المالي: "قَبَّحَهُ اللَّهُ! يَقْتُلُ سَادَةَ أَهْلِ الأَرْضِ وَيُرِيدُ أَنْ يُعَوِّضَنَا عَنْهُمْ بِالْمَالِ؟!". ولم يطلبوا من المسلوب إلا ما له قيمة معنوية كـ "مغزل أمهم الزهراء (عليها السلام)"، وطلب الإمام استعادة رأس أبيه الحسين ليحمله معه ويدفنه مع الجسد الشريف في كربلاء -وهو الرأي المحقق والمشهور عند الإمامية-.

أما البقاء في الشام فلم يكن له موجِب بعد أن أدوا رسالتهم؛ إذ لم يحملوا منها إلا آلام الشماتة ورؤية يزيد يكتدح ثنايا الحسين، ووفاة الطفلة رقية (عليها السلام) كمداً وحزناً لتدفن هناك وتكون شاهدة على الظلم الأموي في عاصمتهم.

ونختم بما نقله المنهال بن عمرو قال: "رأيت علي بن الحسين (عليه السلام) بدمشق يمشي ورجلاه تسيلان دماً، ورأيت امرأة خلفه تنادي: إلى أين يا بقية السلف؟ فقلت له: كيف أصبحت يا ابن رسول الله؟ فقال: «يَا مِنْهَالُ، أَصْبَحَتِ الْعَرَبُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْعَجَمِ بِأَنَّ مُحَمَّداً مِنْهَا، وَأَصْبَحَتْ قُرَيْشٌ تَفْتَخِرُ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ بِأَنَّ مُحَمَّداً مِنْهَا، وَأَصْبَحْنَا آلَ مُحَمَّدٍ مَقْتُولِينَ مَظْلُومِينَ مُشَرَّدِينَ»".

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة