أما المجلس الثاني فكان مجلساً حافلاً حضره كبار رجال الدولة، وعامة الناس، وقيل إنه حضره سفراء ومندوبون من بلاد الروم؛ إذ جرت العادة في مثل هذه المناسبات أن تستدعي الدول ممثلي البعثات الأجنبية ليطلعوا على مظاهر انتصارها. وقد عقد هذا المجلس في المسجد الأموي بدمشق، وهو مسجد واسع بمقاييس عصرنا، فكيف بمقاييس ذلك الزمان!
وبعد أن قام أحد خطباء السلطة وتلا خطبة امتدح فيها بني أمية ونال فيها من الإمام أمير المؤمنين والحسين (عليهما السلام)، خاطبه الإمام السجاد بقوة قائلًا: «أَيُّهَا الْمَخْلُوقُ! بِئْسَ مَا صَنَعْتَ، اشْتَرَيْتَ مَرْضَاةَ الْمَخْلُوقِ بِسَخَطِ الْخَالِقِ». ثم استأذن الإمام (عليه السلام) أن يرتقي المنبر، ورغم ممانعة يزيد -لأنه يعلم أن أهل هذا البيت زقوا العلم زقاً-، فإن الحاضرين أصروا عليه ليأذن للإمام، ظانين أن رجلاً قُتل أهله وقدم من سفرٍ طويل ومجهد، يكون في موقف ضعيف ولا يستطيع إحداث أثر يُذكر. ملاحظة: تعبير "زُقوا العلم زقاً" نجد شواهد عليه عند أغلب حكام بني أمية وبني العباس، إذ كانوا يعتقدون أن الأئمة يمتلكون علماً خاصاً وقدرات استثنائية.
اعتلى الإمام المنبر وافتتح خطبته بتلك الكلمات العظيمة. وإني أنصح القراء والسامعين بالتأمل والتدبر في هذا الخطاب، ورغم أن بعضهم يحفظ جزءاً منه، إلا أنه يحتاج إلى عمق نظر في معانيه، وأشير هنا إلى إشارات:
- الإشارة الأولى: كان هذا المجلس الأموي أول مجلس في تاريخ الشام يتحدث فيه خطيبٌ عن مناقب العترة النبوية واصطفائها، وعن مناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام) خاصة؛ فمنذ عهد معاوية وعلى مدى عشرين عاماً، لم يشهد هذا المكان حديثاً عن فضائل أهل البيت فضلاً عن الخصوصية لعلي بن أبي طالب.
- الإشارة الثانية: بدأ الإمام ببيان خصائص العترة: «أُعْطِينَا سِتّاً وَفُضِّلْنَا بِسَبْعٍ»؛ والتعبير بـ (أُعْطِينَا) يشير إلى صفات قد يشاركهم فيها غيرهم بدرجة ما (كالعلم والحلم والسماحة والفصاحة والشجاعة والقبول في القلوب)، أما التعبير بـ (فُضِّلْنَا) فيشير إلى خصائص ومناقب حصرية لا تمتكها أي أسرة أخرى في الكون.
- الإشارة الثالثة: ذكر الخصائص المخصصة: «بِأَنَّ مِنَّا النَّبِيَّ الْمُخْتَارَ» -وهي فضيلة لا يدعيها غيرهم-، «وَمِنَّا الصِّدِّيقُ» -وهو تصريح واضح بأن المقصود بالصديق هو علي بن أبي طالب-، «وَمِنَّا الطَّيَّارُ» -وهو جعفر بن أبي طالب الذي اختص بهذا اللقب دون غيره ممن قُتلوا في المعارك-، «وَمِنَّا أَسَدُ اللَّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ» -حمزة بن عبد المطلب-، «وَمِنَّا سِبْطَا هَذِهِ الأُمَّةِ» -الحسن والحسين-، «وَمِنَّا مَهْدِيُّهَا» -عجل الله فرجه الشريف-، وفي بعض المصادر: «ومنا فاطمة بضعة رسول الله».
ثم مضى الإمام في خطبته فذكر تسعين خصلة ومنقبة وفضيلة للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وذلك في خطبة موجزة لا تتجاوز بمقاييس اليوم نصف صفحة! وهذا في غاية البلاغة والإيجاز؛ إذ استطاع في دقائق معدودة أن يلخص مباحث عظيمة في ذلك المكان الذي كان يوجب ذكر علي بن أبي طالب فيه بالخير قتل صاحبه. ولما رأى يزيد أن المجلس تحول إلى منصة لإعلام ودعوة لآل بيت رسول الله، أمر المؤذن بأن يؤذن ليقطع على الإمام خطابه قبل حلول وقته.
التغيرات داخل الأسرة الأموية والمجتمع الشامي
حدثت تحولات حتى على مستوى الأسرة الأموية الحاكمة؛ فرجل مثل يحيى بن الحكم (أخي مروان بن الحكم الذي كان يناصب العداء لأهل البيت منذ عهد الخليفة الثالث)، لما رأى رأس الحسين ونساءه وسمع خطب زينب والسجاد (عليهم السلام)، تحركت عاطفته وانفجر مخاطباً يزيد بن معاوية بهذه الأبيات:
لَهَامٌ بِجَنْبِ الطَّفِّ أَدْنَى قَرَابَةً ... مِنَ ابْنِ زِيَادٍ الْوَغْدِ ذِي الْحَسَبِ الْوَغْلِ
سُمَيَّةُ أَمْسَى نَسْلُهَا عَدَدَ الْحَصَى ... وَلَيْسَ لآلِ اللَّهِ يُعْرَفُ مِنْ نَسْلِ