كيف غيّر الركب الحسيني الأوضاع في دمشق؟

كيف غيّر الركب الحسيني الأوضاع في دمشق؟
00:00 --:--

كيف غيّر الركب الحسيني الأوضاع في دمشق؟

بسم الله الرحمن الرحيم

أبعاد الركب الحسيني والهدف الأموي

قال سيدنا ومولانا زين العابدين علي بن الحسين (صلوات الله وسلامه عليه) في خطبته بالشام: «أُعْطِينَا سِتّاً وَفُضِّلْنَا بِسَبْعٍ؛ أُعْطِينَا الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ وَالسَّمَاحَةَ وَالْفَصَاحَةَ وَالشَّجَاعَةَ وَالْمَحَبَّةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ، وَفُضِّلْنَا بِأَنَّ مِنَّا النَّبِيَّ الْمُخْتَارَ، وَمِنَّا الصِّدِّيقَ، وَمِنَّا الطَّيَّارَ، وَمِنَّا أَسَدَ اللَّهِ وَأَسَدَ رَسُولِهِ، وَمِنَّا سِبْطَا هَذِهِ الأُمَّةِ، وَمِنَّا مَهْدِيَّهَا». صدق سيدنا ومولانا علي بن الحسين.

تُعدّ هذه الخطبة من الخطب المفصلية التي ألقاها الإمام زين العابدين (عليه السلام) في بلاد الشام، والتي أسهمت بشكل مباشر في قلب الموازين السياسية ضد يزيد وبني أمية. فمن المعلوم أن الحكم الأموي أراد من سوق سبايا الحسين ورؤوس الشهداء أن يتحول هذا المشهد إلى مهرجان نصر وإعلانٍ عن القوة التي لا تُقهر للدولة الأموية، وليكون درساً قاسياً لكل من يفكر في الانتفاضة على حكمهم.

ولأجل هذا الهدف، أرسل عبيد الله بن زياد هذه القافلة عبر طريق طويل استغرق أربعين يوماً -على الرأي المحقق- ما بين شهادة الحسين (عليه السلام) وعودة القافلة. وبطبيعة الحال، تتكفل الدولة بتسيير مثل هذه الحملات؛ إذ تذكر أقل الروايات أن عدد من سُيِّروا إلى الشام كان ثلاثين شخصاً ما بين امرأة وطفل، وفي طليعتهم الإمام زين العابدين (عليه السلام)، وقيل إنهم كانوا أكثر من ذلك. وتسيير قافلة بهذه المواصفات يترتب عليه إنفاقٌ مالي ولوجستي كبير لتأمين الحراسة والدعم الغذائي طوال تلك المدة.

غير أن هذا الإخراج الذي أُريد له أن يكون إعلاناً للظفر، ما لبث أن ارتدّ على الدولة الأموية بأسوأ مما كانوا يتوقعون؛ إذ تحول الأمر إلى عكس ما أرادوه تماماً، لدرجة أجبرت يزيد بن معاوية على التنصل من قتل الحسين (عليه السلام). فبعد أن حشد الناس وأقام المهرجانات ليتباهى بانتصاره، انتهى به المطاف إلى إنكار الجريمة والتنصل منها قائلاً: "ما أنا قتلته، والله ما أنا قتلته، بل عجل عليه ابن زياد، وما كان ذلك عن أمري، ولعن الله ابن زياد!"، ليعلن لعنه رسمياً.

فشتان بين ما أرادوه في بدء الأمر من احتفالٍ حافل بالنصر، وبين ما انتهى إليه الأمر من تنصل يزيد من الجريمة ولعنه للمباشر لها وهو عبيد الله بن زياد! بل وصل به المطاف إلى أن يتودد للإمام زين العابدين قائلاً: "إن أردتم البقاء في ضيافتنا فعلى الرحب والسعة، وإن أردتم العودة إلى المدينة كفلناكم وتولينا أمركم، وما طلبتموه مجاب".

إن هذا التحول الجذري لم يأتِ اعتباطاً ولا من غير مقدمات ولا عمل دؤوب، وهو ما يكشف لنا عن صواب تخطيط الإمام الحسين (عليه السلام) وحكمته حين اصطحب معه النساء والأطفال، رغم العروض الكثيرة التي قُدمت له بإبقائهم في مكة أو إعادتهم إلى المدينة، فقال: "شاء الله أن يراهن سبايا".

لقد تحول المشهد تحولاً كاملاً بفضل الأداء البليغ والموقف الشجاع للعقيلة زينب والإمام السجاد وسائر من كان في ركب الحسين (عليه السلام). ونتج عن ذلك تغييرٌ كبير في أروقة الأسرة الأموية ذاتها، وتغييرٌ مماثل في الرأي العام ببلاد الشام؛ مما شكل ضغطاً سياسياً على يزيد حتم عليه إغلاق هذا الملف وإعادتهم إلى المدينة المنورة، وناهيك به من نصر.

خطب أهل البيت وتأثيرها في دمشق

ألقى الإمام السجاد (عليه السلام) أكثر من خطبة، وكذلك ألقيت خطبٌ للعقيلة زينب ولغيرها، وحاوروا عامة الناس حتى أثمرت تلك الجهود هذه النتيجة. ومن جملة تلك الخطب الخطبة الشهيرة للإمام زين العابدين (عليه السلام) في المسجد الأموي.

لقد عقد يزيد عدة مجالس لاستقبال السبايا؛ أولها عند وصولهم إلى دمشق حيث استقبلهم في ديوانه وقصره، ودار بينه وبينهم حوارٌ مختصر كان الغرض منه التشمت وإظهار الغلبة -وقد فصّلتُ تفاصيل هذه المجالس في كتابي (أنا الحسين بن علي)-.

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١١

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة