عن الجانب العلمي في سيرة الإمام الحسن الزكي
بسم الله الرحمن الرحيم.
مقدمة في تعزية الإمام الحسن المجتبى عليه السلام ودفع الصورة النمطية
في يوم شهادته، نعزي رسول الله صلى الله عليه واله بشهادة سبطه الأكبر، والإمام الثاني والمعصوم الرابع، الإمام أبي محمد الحسن الزكي ابن علي بن أبي طالب، ثم نعزي العترة الهادية ومراجع الدين وعامة المؤمنين بهذا المصاب الجلل، ونسأل الله الذي أكرمنا بمعرفته ومعرفته آبائه وأخيه وأبناء أخيه أن يكرمنا بشفاعتهم في الجنة إنه على كل شيء قدير.
وَنَتَنَاوَلُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ شَيْئًا مِنْ حَدِيثٍ عَنْ جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِ شَخْصِيَّةِ الْإِمَامِ الْحَسَنِ وَصِفَاتِهِ، وَلَعَلَّهُ يَنْبَغِي تَسْلِيطُ الضَّوْءِ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا عَادَةً قَلِيلًا مَا تُذكر. لأشير في البداية إلى أن هناك صورة نمطية عند الكثير من الناس حول الأئمة؛ فمثلا إذا ذكر علي بن ابي طالب يتبادر إلى ذهن السامع القوة والشجاعة والانتصارات وسيف ذي الفقار وأمثال ذلك، وإذا ذكر الحسين عليه السلام يتبادر إلى الذهن أمر إبائه للضيم وخروجه في تلك النهضة العارمة، وإذا ذكر الإمام الصادق عليه السلام يتبادر إلى الذهن أمر العلم والنشر والفقاهة وما شابه ذلك، وإذا ذكر الإمام الحسن المجتبى عليه السلام عادة يتبادر إلى الذهن قضية المسالمة والتسامح والبعد عن العنف وما شابه ذلك.
هذه الصور ليست صوراً كاملة؛ كل واحد من الأئمة المعصومين عليه السلام له كمالات في مختلف الجهات، لكن الظرف الذي يعيش فيه يقتضي منه دورا معينا، والا لو كان هذا الامام في زمن امام اخر وضمن ظروف اخرى كان يعمل كما كان ذلك الامام يعمل. لو أن الإمام الحسن المجتبى عليه السلام كان في ظرف أيام الحسين عليه السلام وقد جاء يزيد وأراد هدم الإسلام، لكان الحسن في ذلك الزمان لفعل مثل ما فعل الإمام الحسين عليه السلام، ولو كان في زمن الإمام السجاد لعمل كما عمل الإمام السجاد عليه السلام، وهكذا. لكن قد تقتضي الظروف الخاصة لهذا الإمام نوعا من العمل، نوعا من الدور، نوعا من الممارسة فيشتهر عنه وينتشر عنه ذلك الدور. هذا لا يعني انه لا يملك بقية الكمالات ولا يستطيع بقية الصفات التي عند آبائه أو غيرهم، وإنما الظرف يقتضي هكذا فبرز منه هذا المقدار.
المنهج الإصلاحي للطبيب الحاذق واختلاف أدوار الأئمة بحسب الظروف
تصور أن بدن الأمة، جسد الأمة، مريض؛ تارة يكون مريضا مرضا جلديا واخرى يكون مريضا مرض القلب وثالثة عظاما، وعلى هذا المعدل، فالطبيب الحاذق إنما ينظر إلى المرض الأساسي في ذلك البدن ويعالجه بما يناسبه من العلاجات. الأمة هكذا فيها احتياجات كثيرة، فيها مشاكل متعددة، كل مشكلة تحتاج إلى نمط معين، دور معين، أعمال خاصة؛ فالامام الذي يعيش في ذلك الزمان يعالج تلك المشكلة بما يناسبها، قد يناسبها السيف، قد يناسبها العمل السياسي، قد يناسبها العمل الثقافي، قد يناسبها التوعية والتربية الروحية، وهكذا.
أئمتنا صلوات الله وسلامه عليهم حائزون على الكمالات المتعددة، لكن طبيعة الظرف الذي يعيشون فيه مختلف من زمن إلى زمن ولذلك أدوارهم وأعمالهم مختلفة. والا في الأصل؛ مثلا علمهم بالشريعة، علمهم بالأحكام الفقهية، علمهم بالعقائد، كونهم أبوابا لمدينة علم رسول الله صلى الله عليه واله، هذا كل الأئمة هكذا. ما يرتبط بعلوم الشريعة وبحاجات الناس وبأسئلتهم في قضايا دينهم كلهم يستطيعون الإجابة عليه، ولكن كما قلنا ظروف تقتضي الانتشار في هذا الجانب وظروف اخرى لا تقتضي ذلك.
الجانب العلمي للإمام الحسن المجتبى عليه السلام وامتداد علم أمير المؤمنين
الإمام الحسن المجتبى مثلا في جانبه العلمي نحن نعتقد أنه وارث أبيه وخليفته في علمه ومعارفه، وبه يحتج الله على الناس. ولو أراد شخص من أبناء الأمة جوابا في مسألة من مسائل الدين التي تهم أمة، فكما كان أمير المؤمنين عليه السلام قادرا على إجابته، فالامام الحسن أيضا قادر على إجابته. ولذلك وجدنا أن أمير المؤمنين عليه السلام في أيام إمامته الفعلية - والمفروض أنه إذا صارت الإامامة الفعلية لإمام يكون الإمام الآخر غير ناطق - أيام أمير المؤمنين كان ابناه الحسنان إمامين، لأن إمامتهما معينة من قبل خلق الخلق، ولكن الفرق كما تقول الروايات: هذا إمام ناطق وهذا إمام ساكت، هذا إمام فعلي وهذه إمامته ليست فعلية إلا بعد أبيه. مع ذلك كان الإمام علي عليه السلام يحيل المسائل التي يسأل عنها إلى الإمام الحسن المجتبى.