١. طبيعة الاجتهاد المتجدد وحتمية الاختلاف الفقهي
أولا: هذا الاختلاف الفقهي والفكري كان وهو موجود وسيبقى إلى الأخير. إذا كان إنسان يتصور أنه ليش ما يتفقوا العلماء على رأي واحد، ليش ما يقولوا فتوى واحدة ويتفق عليها شيعة أهل البيت؟ أما مثلا يحرمون هذا العمل أو يحللونه ويبيحونه، لماذا لا تحصل الوحدة؟ هذا وهم وهذا طلب لما لم يكن ولن يكون. ليش؟ هذه ضريبه الاجتهاد المتجدد والدائم اللي تميز به التشيع، ضريبة الحرية الفكرية والفقهية التي توفرت للفقهاء.
غيرنا لا مشكلة لديه في هذا؛ قال لك خلاص، المذاهب هي هكذا من سنة ٣٦١، مذاهب أربعة، فتاوى ثابتة، أي واحد يجي بعد هؤلاء ما له أي حق يخرج عن هذا، انتهى الموضوع، نظام لازم يكون نظام. طيب، الاجتهاد وين؟ قلع تقليع الاجتهاد! سكر باب الاجتهاد، الحرية الفكرية للفقهاء كذا لازم تسكت، أنت تشتغل بروحك لروحك ما يخالف، أما تقول هذا الراي ذاك الراي لغيرك لا، ممنوع رسميا ونظاما.
التشيع ما قال هكذا؛ التشيع قال: ليس السابقون بأولى من اللاحقين في فهم الأحكام الشرعية، بل ربما بما توفر من الوسائل والكتب وعثر على المصادر التي لم تكن عند بعض المتقدمين، قد يكون هذا المتأخر أكثر علما، أكثر اطلاعا على المصادر في تلك الأزمنة. ربما الفقيه عنده ٤، ٥، ١٠ كتب، ٢٠ كتاب، طيب اليوم مئات الكتب عند العلماء موجودة، ونضج البحث الفقهي والبحث العقائدي، وأوردت الإشكالات وردت، وتطور الذهن البشري، الحجم العلمي اليوم الموجود أكبر بكثير مما كان في تلك الأزمنة.
فأي حق يكون لمن كان قبل ١٠٠٠ سنة في أن يعطي رأيا، ولا يكون لمن كان قبل ١٠٠ سنة أو ٥٠ سنة أن يعطي رأيا ما دام مجتهدا وفقيها ومطلعا على هذه الروايات ولديه آلة الاجتهاد وأساليبه وادواته؟ ما الذي يميز ذاك؟ ذاك يعطي رأي في الفقه في العقائد مع قله المصادر التي كانت لديه، وأن الحجم العلمي الموجود في الساحة آنذاك أقل مما هو عليه في الأزمنة المتاخرة، بينما لا يحق لفقيه مجتهد في هذه الأزمنة اللي بيده الوسائل، بيده الكتب اللي عثر عليها متفرقة في مكتبات العالم الإسلامي وتوفرت بيد الفقهاء الآن، لماذا لا يستطيع أن يفتي؟
فما دام يستطيع يفتي، وهذا يعني أن باب الاجتهاد مفتوح، وهذه مسألة تبقى مسألة يحق لكل واحد أن يجتهد فيها. فتوقع أن مو الكل -هذا مو مصنع استكانات كله يطلع استكانه بنفس المقياس وبنفس السعة- لا، هذه آراء، أفكار، هذه اجتهادات. نعم، بعض الأشخاص قد لا يكون لديه عدة الاجتهاد ولا عدته وليس فقيها بحسب المعنى الحقيقي، لا، هذا ما نتكلم عنه، وإنما نتكلم عن الفقهاء المتمكنين الذين بلغوا درجة الاجتهاد.
ما دام هالشكل أبشر بالخير؛ ذكرنا في ليلة مضت أنه من سنة ١٤٣٧ هجرية إلى يومنا هذا (أو نحو ذلك من القرون) حوالي ٧٠ رسالة في هذه المسألة من علماء وفقهاء، وكل واحد ياتي برأي ويرد على الرأي الآخر ويناقشه، ذاك يجي واحد آخر ينقض ما بناه هذا، وعلى هالمعدل، فأن يطمع إنسان فد يوم من الأيام إلى أن هذا أمر خلاص لابد أن ينتهي وكذا، هذا طمع في غير محله وطموح لا يتحقق إلا إذا سكرنا باب الاجتهاد وألزمنا كل الفقهاء أن يفتوا على منهج واحد، وهذا ما أحد يقدر يسويه؛ لأن كل فقيه بالنسبة إلى الفقيه الثاني هو نائب عن الإمام المعصوم عجل الله تعالى فرجه الشريف.
نعم، من الممكن وهذا قابل لأن يتحقق إذا تفهم شيعة أهل البيت وأتباعهم أن الاختلاف الفقهي في مسألة لا يوجب أن يكون هناك خلاف اجتماعي على الساحه، وأن كل إنسان مسؤول عن فتوى مرجعه، ما له شغل أن الآخرين ماذا يصنعون.