مقدمة في التوجيهات العملية والموقف الرسالي تجاه الاختلاف
قَالَ اللَّهُ الْعَظِيمُ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ:
? {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} [آل عمران: ١٠٣].
وَنَقَلَ شَيْخُنَا الْمُفِيدُ -أَعْلَى اللَّهُ مَقَامَهُ- فِي كِتَابِهِ الْغَيْبَةُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ جَالِسًا مَعَ أَصْحَابِهِ، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ وَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، مَا هَذَا الْحَبْلُ وَمَنْ هَذَا الْحَبْلُ؟ فَأَطْرَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ وَأَشَارَ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: «هَذَا حَبْلُ اللَّهِ الَّذِي مَنْ تَمَسَّكَ بِهِ عُصِمَ فِي دُنْيَاهُ وَلَمْ يَضِلَّ فِي أُخْرَاهُ».
صَدَقَ سَيِّدُنَا وَمَوْلَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ.
حديثنا في هذه الليلة يتناول إرشادات في الموقف العملي المطلوب من المؤمنين في القضية التي تحدثنا عنها في ليلتين ماضيتين وبيناها، وهي قضية التطبير والأدماء. بينا في ليلتين أولا أدلة المجوزين والقائلين بالإدماء والجرح في عزاء الحسين والمعروف شعبيا بالاستحباب، ثم بينا أدلة المانعين والقائلين بعدم المشروعية وبعدم الجواز، وكنا كما ذكرنا فقط في صدد بيان أدلة الفريقين، لم نكن في صدد بيان تغليب فريق على آخر ولا اختيار رأي من الرأي ولا مناقشة كل استدلال بما يرد عليه أو ينقضه، سواء كان في جهة المنع أو في جهة المشروعية والاستحباب.
هذه الليلة نتناول بعض الملاحظات والإرشادات النافعة كما نعتقد في الموقف العملي الذي ينبغي أن يقفه المؤمنون عامة، وقد زينا الحديث بالآية المباركة: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، وما ورد من الأحاديث الكثيرة في تفسير من هو حبل الله وما هو حبل الله، وأوردنا من ذلك شاهدا واحدا مرويا عن رسول الله محمد، وكأن الآية المباركة والحديث الشريف يقول لجميع المؤمنين بهذا الحبل -جميع شيعة علي بن أبي طالب- إن المفروض فيكم ما دمتم تتمسكون بهذا أن تكونوا أقرب إلى الوفاق والتسالم والتواصل والتباذل، وأن لا يكون هناك شيء مهما كان من مسألة فكرية أو مسألة فقهية داعيا إلى نشوب الاختلاف الاجتماعي.
نعم، من الممكن أن يكون هناك اختلاف نظري فكري فقهي بحسب الأدلة، لكن لا ينبغي أن يكون هناك خلاف اجتماعي وتدابر بين المؤمنين ومواقف غير مبررة بعضهم لبعض. فاولا نتحدث في هذا الجانب عن بعض التوجيهات والنصائح التي تنفع في هذا.