بكاء النبي (صلى الله عليه وآله) على رجالات الإسلام وذويه
أما بكاؤه سلام الله عليه وصلوات الله عليه وعلى أهل بيته فتعدد كثرة، أنا أجي بس نماذج وإلا يطول بنا الحديث في هذا: بكى على رجال استشهدوا، وبكى على بعض أقاربه، وبكى لمرض بعض أصحابه، وهذا أمر غريب في نظر البعض!
فممن بكى عليه معروف: حمزة سيد الشهداء، عندما مثل به بعد شهادته أولاً، حرض على البكاء عليه عندما رجع إلى المدينة ورأى أن نساء الأنصار كل واحدة تبكي على ميتها، على أخيها، وعلى زوجها، وعلى أبيها، فتأسف رسول الله صلى الله عليه وآله وقال: «لكن حمزة لا بواكي له». ليش لا بواكي له؟ لأن أهله في مكة ما عنده أقارب هنا، أو لا بواكي له بما يستحق حمزة من البكاء العريض. فلما سمع مثل سعد بن معاذ ذلك من رسول الله وبعض زعماء الأنصار، اقسموا على نساء الأنصار ألا تبكي امرأة على ميتها حتى تبدأ بذكر حمزة وتبكي عليه! أي واحدة ما لازم تبكي على والدها، أخيها، زوجها، إلا بعد أن تذكر حمزة وتبكي عليه ثم تعطف بالبكاء على قريبها. المؤرخون الذين يذكرون هذا وتلك عادة أهل المدينة إلى يومنا هذا (يعني إلى يوم اللي أرخوه، وأنا سألت بعض أهل المدينة من شيعة أهل البيت عليهم السلام يقولون: إلى هذه الأزمنة أيضاً نفس الشيعة أو كذا لا بد أن يذكر حمزة أولاً ويبكى ثم بعد ذلك يبكى فقيدهم). فالنبي صلى الله عليه وآله يحرض على البكاء ويشجع على البكاء على حمزة من غير أقاربه من النساء أنه ابكوا على حمزة.
وهو صلوات الله عليه بكى عليه حتى نشيجه؛ النشيج مرتبة أعلى من البكاء، شايف الطفل لما يبكي فترة بدموع عينيه، بعدين يطلع صوته، بعدين كل شوية يتنهد ببكائه كأنه مخنوق، يقال: ينشج. الرواية ينقلها الواقدي، وينقلها أيضاً ابن هشام في سيرته، وهما ليس محسوبين على شيعة أهل البيت، ونقل ذلك عنهما غيرهم، أن النبي بعدما رجع المدينة بعد مقتل حمزة عليه السلام جاء إلى أخته صفية - صفية بنت عبد المطلب، أخت حمزة، وكانت شديدة العلاقة بأخيها حمزة - وكانت معه ابنتها فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها، فلما راها أي صفية تبكي، بكى. فلما بكى هو بكت فاطمة عليها السلام، فلما بكت فاطمة كان النبي ينشج وتنشج صفية وتنشج فاطمة عليها السلام، يعني مثل واحد مختنق وكل شوية يطلع آهات ويطلع بكاء من داخل قلبه، النشيج مرحلة متقدمة عن البكاء، هذا فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وذاك فعله في الأمر بالبكاء عليه.
هذا بالنسبة إلى مثل حمزة، زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب لما استشهد في مؤتة أيضاً بكاهما رسول الله صلى الله عليه وآله حتى سأله بعضهم عن ذلك فكان يقول: «هما أخواي ومؤنساي فأنآ أبكي عليهما». هذا البكاء الله له مبرراته، له جهاته وتوجيهاته. هذا بالنسبة إلى زيد وجعفر بن أبي طالب كشهداء.
بكى على أقاربه: معروف أن إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه وآله من مارية القبطية، لما توعك وأشرف على الموت، جاء رسول الله صلى الله عليه وآله إليه فكان ينظر إليه وتدمع عيناه، فلما قضى بكى رسول الله صلى الله عليه وآله. ذاك الوقت إبراهيم لعل عمره سنتين، لعل عمره، لعل عمره سنتان أو نحو ذلك، فبكى رسول الله صلى الله عليه وآله عليه. وكان بعض الأصحاب - هي بين قوسين اكو في البيئة العربية الصحراوية فكرة باطلة خاطئة وهي أن الرجال ما يبكي، اللي يبكي النساء، الرجال شديد حديد قوي ما يبكي، عواطفه صخر - فلما يشوفون النبي صلى الله عليه وآله يمارس غير ما هم عليه، وكان بعض أصحاب النبي هكذا يمنعون النساء حتى عن البكاء، وهذا مثبت في التاريخ. زين، فلما رأى بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أنه يبكي قالوا: ما هذا يا رسول الله؟ شنو هذا؟ يعني هذا على خلاف ما احنا متعلمينه من أنه مثلاً الرجال ما يبكي، ما يصيح حسب التعبير، هذا ضعف هذا كذا! فقال: «إنها رحمة». لا تتصورون هذا ضعف، هي رحمة، الله أرحم الراحمين وهذه رحمة من الإنسان. ثم قال: «إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون». لمحزونون، يعني طبيعة العين العادية السليمة لازم تدمع، إذا ما تدمع هذه عين زجاجية! القلب طبيعته أن يحزن، وإلا إذا ما يحزن هذا قلب تركيب وليس قلباً إنسانياً! إن العين - يعني العين الصحيحة، العين السليمة، العين المخلوقة لله - طبيعتها أن تدمع وأن تمارس هذا الشيء، والقلب أيضاً هو يحزن بطبيعته، وبالتالي إنا بك يا إبراهيم لمحزونون.