المعنى اللغوي والاصطلاحي للزيارة
الزيارة كما تعلمون جايّة من الفعل (زار)، و(زار) أصله الأصيل في اللغة حرف الزاء والواو والراء. لما نرجع إلى معاجم اللغة يقول اللغويون: إن هذا الأصل (الزاء والواو والراء) أصل يدل على انتقال وتحول. ولذلك مثلاً عُبِّر في القرآن الكريم في قصة أصحاب الكهف:
أن الشمس تزاور عن كهفهم
تتحول، تنتقل، ما تجي عليهم بشكل مباشر حتى لا تفسد أجسامهم.
تصور واحد يعني سيبقى في الكهف تلك المدة الطويلة (٣٠٠ سنين وازدادوا تسعاً)، وكل يوم راح تشرق عليه الشمس من الصباح إلى الغروب، هذا البدن يفسد لا ريب. فلذلك كانت الشمس تتزاور، تنحرف، تنتقل، تتحول عن الاتجاه المباشر لهم. فهو أصل يدل على انتقال، على تحول، على تغيير.
ومنه أيضاً نفس هذا الأصل جاء منه شهادة الزور وقول الزور. ليش سمي بقول الزور وشهادة الزور؟ لأنها تتحول عن الحق إلى الباطل، وعن الصحيح إلى غير الصحيح.
الزيارة في غير هذين الموردين تعني أن يتحول الزائر إلى جهة المزور. أنت تريد تزور إنسان في حياته، ما يصير تزوره وأنت قاعد في منزلك، وإنما لازم تروح إلى منزله، تتحول وتنتقل من مكانك إلى مكانه. وكذلك الحال بالنسبة إلى قضية زيارات، زيارات المعصومين (عليهم السلام) أن تحقق الزيارة؛ أن يكون الإنسان ينتقل من مكانه إلى محل دفن ذلك المعصوم، فأنت تنتقل من بلدك لزيارة سيد الخلق محمد لابد فيها من تحول، من انتقال، من تغيير المكان اللي أنت فيه إلى المكان الذي فيه القبر.
هذا أصل الزيارة، والزيارة بناءً على هذا لا تتحقق إلا بالذهاب من مكانك إلى مكان المزور. غير أنه وردت توسعة من قبل أئمة الهدى (عليهم السلام) بالنسبة لمن لا يتيسر له الانتقال والتحول؛ كمن بعُد مثلاً عن كربلاء لزيارة الحسين، كمن بعُد عن المدينة لزيارة رسول الله، لا يستطيع دائماً أن يكون رايح جاي، وربما لا يستطيع أصلاً.
أئمة أهل البيت (عليهم السلام) وسعوا مفهوم الزيارة -الذي أصله لابد أن يكون انتقالاً من مكان إلى مكان- وسعوه إلى أن يتوجه الإنسان إلى جهة ذلك المزور، ويتكلم بكلام يسلم فيه عليه. وهذا وارد صريحاً بالنسبة إلى الإمام الحسين (عليه السلام)؛ فقد ورد في الأخبار:
أنه إذا لم تتمكن من قصد كربلاء فاصعد على سطح دارك، وتوجه إلى كربلاء وقل: السلام عليك يا أبا عبد الله، السلام عليك يا بن رسول الله، السلام عليك يا بن أمير المؤمنين.
هذا الحديث وأمثاله وسّع دائرة الزيارة. أصل الزيارة لازم الإنسان يذهب إلى ذلك المكان، لكن هذا الحديث وأمثاله جعل فردين للزيارة:
- الفرد الأول (الفرد الأكمل): هو أن الإنسان يروح يمشي أو يركب الدابة أو يستعمل الطائرة وينتقل من مكانه إلى ذلك المكان، وهذا الفرد الأول وهو الأكمل والأحسن كما سياتي الحديث عنه.
- الفرد الثاني (الفرد التنزيلي): يعني الإمام اجا قال: هذا بمنزلة الزيارة التي يتحرك فيها الإنسان، وإن كان مو بنفس الثواب ١٠٠% لكن تعتبر زيارة، ننزلها بمنزلة الزيارة الجغرافية حسب التعبير اللي فيها ذهاب وحركة وتغيير مكان.
أيضاً إذا توجه الإنسان إلى زياره المعصوم وقرا كلاماً فيه السلام عليه والتسليم له والشهادة في شأنه، هذا أيضاً يعتبر نوعاً من أنواع الزيارات. فهذه إذاً الزيارة في معناها اللغوي وفي معناها الاصطلاحي وفي توسعه دائرتها.