الشواهد الروائية على بكاء السماء والأرض
في ذيل هذه الآية المباركة في تفاسير المدرستين - مدرسة الخلفاء ومدرسة أهل البيت - ورد فيها هذه الرواية بعبارات مختلفة: أن أمير المؤمنين عليه السلام كان جالسًا في رحبة الكوفة في المسجد ومرت هذه الآية المباركة: (فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين)، وجاء بعد ذلك الإمام الحسين عليه السلام فأشار الإمام أمير المؤمنين إليه وقال: "لكن هذا ممن تبكي عليه السماء والأرض".
فهذا أيضا شاهد روائي في تفسير هذه الآية المباركة على أن البكاء يمكن أن يحصل من السماء ويمكن أن يحصل من الأرض.
أكثر من هذا أيضا، هناك شواهد أخر أن كأنه مما اتفق عليه بين الفريقين أن الانسان المؤمن إذا قبض ودفن بكى عليه أشياء، من جملتها مكان صلاته! المكان الذي أنت تصلي فيه، لنفترض تصلي في هذا المسجد في الصف الأول على جهة اليمين، بعد مدة من الزمان قبضك الله إليه، هناك امور تحصل من جملتها أنه يبكي عليك مكان صلاتك! كأنما يستوحش لعدم وجودك فيه وكنت له أنسا خلالها طويلة من العمر، فإذا فقدك إذن يبكي عليك هذا الإنسان العادي.
طبعاً، الفرق هو في درجة البكاء!
السماء والأرض التي بكت على الحسين عليه السلام حصلت فيها تغيرات كونية ظاهرة بينة للناس، بينما ليس بالضرورة أن يحصل ذلك عليك وعلى أمثالك من المؤمنين في البقعة في بقعة الأرض التي كنت تصلي عليها. وهذا يجمع به بين كيف الرواية تقول: (ما بكت السماء والأرض على أحد الا على الحسين وعلى يحيى بن زكريا)، والحال أن عندنا روايات وعند غيرنا أن الأرض تبكي على المؤمن إذا مات - الأرض التي كان يصلي عليها -.
الجواب هو في الدرجة! تلك أولئك لا عُمر تبكي دماً في زمان مقتلهما دم عبيط في الأرض، السماء تمطر أشياء ملطخة بالدم وأمثال ذلك. فعندما ينفى، ينفى هذا المقدار هذه الدرجة، لا أنه لا تبكي أصلا. لا، تثبت هذه الروايات شيئا من البكاء على المؤمن إذا غادر الدنيا موضع سجوده موضع صلاته يحصل منه ذلك.
من هذه التقريبات وبالروايات الكثيرة الواردة، فقضية تربة أم سلمة واضحة بعد عند الجميع، وهي مروية من الفريقين وقبل حصول الحادثة حادثة قتل الحسين عليه السلام بنحو من نصف قرن من الزمان. النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله أعطى لأم سلمة تلك التربة وقال لها: "إذا رايتيها قد صارت دماً عبيطاً فاعلمي أن ولدي الحسين قد قُتل"، وفي ذيلها: "وإن السماء لتبكي عليه دماً أحمر".
فأولاً، موضوع اصل البكاء: بكاء السماء، بكاء الأرض في قضية الحسين عليه السلام هذا ممكن بهذا التقريب، أن السماوات والأرض مخلوقات لا كما نتصورها لا شعور لها ولا تسبيح لها ولا بكاء لها، لا، هذا تصورنا ولكن تصورنا هذا تصور خاطئ! هي تسمع وهي تسبح وهي تبكي.
نعم، قد لا يكون بطريقتنا. طريقتنا احنا إنه مثلا الدموع تنزل من أعيننا على خدودنا وشيء من الجزع وتحصل تغيرات في بدن إنسان، هذا يسمى بكاء. بالنسبة إلى السماوات والأرض هذا الأمر ليس موجوداً، ولكن كما أن تسبيحهم لا يفقه من عندنا، كذلك بكاؤها لا يفهم من عندنا، وإن كانت له إشارات.