لماذا نتيقن نصر الله؟
قال الله تعالى في كتابه الكريم( ۞ إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾
دفاع الله عن المؤمنين ونصرته لهم لا بد أن يكون حاضراً في حياة الإنسان بل في كل خطوة من خطواته سواء كانت تلك الخطوات عامة أو شخصية أو اجتماعية .
فإذا ضمن الإنسان أن الله يُدافع عنه وبأن الله ينصره ويُحقق له مطالبه إن شاءالله فإن حماسه في العمل سيكون أكثر بكثير مما لو كان يعمل على أساس أنه واجب شرعي قد يتحقق وقد لا يتحقق.
اعمل عملك لا سيما إن كان من أجل الدين والإسلام والمجتمع والخير وأنت متيقن بأن الله سبحانه وتعالى سوف يُكلله بالنجاح والنصر والنتيجة الصحيحة وهذا أمر ليس من باب التشجيع فقط إنما هو حقيقه واقعه ولكن الإنسان أحياناً وهو في أثناء العمل عندما يرى شدة المشاكل وسطوة العدو والعقبات ينتابه التشكيك والتساؤل متى نصر الله ؟ متى يحصل لنا التوفيق وتُكلل هذه الجهود بالنجاح؟
*الأساس الصحيح للانطلاق في أي عمل...
لابد أن يبدأ الإنسان عمله من أرضية ( إن الله يُدافع عن اللذين أمنوا ) وأنه القائل (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) بهذا الأساس ينهض الإنسان بعمله بالنصر وليس كل نصر بمعنى أن يُتوج الأمر بالغلبة المؤقتة وإنما نصر الله يأتي بالطريقة التي يختارها الله سبحانه وتعالى.
نماذج من عاشوراء على منهجية وكان حقاً علينا نصر المؤمنين...
١/من كان يظن في ذلك اليوم الذي صُرع فيه الإمام الحُسين عليه السلام بتلك الصورة المسموعه في نهار يوم عاشوراء بعد أن قُتل الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه وقاموا برضَّ صدره الشريف بحوافر الخيل وبقيت جنائزهم على التراب صلوات الله عليهم فقد كانت السيدة زينب ترى نصر الله عز وجل في تلك اللحظات الصعبة فيما نقلوا أنه عندما أركبوهن على النياق نظرت إلى ابن أخيها زين العابدين فرأته يكادُ يُفارق الدنيا من اللوعة والحزن على أبيه الحسين عليه السلام وحُقَّ له ذلك فقالت: يا ابن اخي مالذي يُضيركَ من هذا؟ لقد شاء الله أن يبعث أُناس لا تعرفهم فراعنة هذه الأرض وهم معروفون في السماء يُجددون لقبر أبيك رسماً ويُقيمون له علماً وليجتهدن أئمة الكُفر وأشياع الضلالة على محو هذا الأمر فلا يزداد إلا علواً وظهوراً.
*ففي ذاك اليوم وهو يوم الحادي عشر من المحرم كانت كل الإشارات تُشير إلى ان قضية الامام الحسين وما يرتبط بها من مبادئ ومفاهيم قد انتهت بعد أن قُتل القائد وقُتل من معه وفُعل بأجسادهم ما فُعل ، لكن المُعبئ بنور الله وبمعارف الدين ذاك الوقت يرى أن النصر قريب ويتجاوز كل الظروف المحيطة به.
٢/ وفي موقف آخر عند ما وقفت السيدة زينب عليها السلام أمام يزيد وقالت( فكد كيدك واسعى سعيك وناصب جهدك فوالله لا تمحوا ذكرنا وهل جمعك إلا بدد و أيامك إلا عدد وهل رأيك إلا فند يوم ينادي المنادي ألا لعنة الله على الظالمين.
*إن هذه القواعد هي حقيقية وليست قضايا غيبيه يعتمد عليها المؤمن صاحب العقيدة القوية فيستحضر هذه المعاني في عزّ الأزمة وفي بحبوحة المشكلة بينما صاحب العقيدة الضعيفة ربما يغفل عن ذلك فيضعف ويتراجع قليلاً وييأس إلى حد ما فيكمن الفرق هنا بين أصحاب الإيمان القوي اللذين يرون النور في أوجّ العتمة وبين غيرهم من اللذين تحيط بهم الدعايات والإعلانات والإشكالات والإعلام المضاد والظواهر الخارجية فتأخذ من دينهم وإيمانهم.
مالذي يدعونا لأن نتيقن هذا النصر الإلهي بالنسبة للمؤمنين؟..
هناك أمور كثيرة أُشير إلى بعضها بنحو من الاختصار...
١/ الأمر الأول يكمن في مواعيد الله عز وجل والله لا يخلف الميعاد وأقواله سبحانه وتعالى ومن أصدق من الله قيلاً وهذا ليس استنباطاً من عند المؤمنين إنما هو الصريح من الله عز وجل في مواطن كثيرة في القرآن الكريم أنه ينصر عباده الصالحين إذا نصروه ( إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم) فما دمتم في مشوار نصر الدين وحماية العقيدة فإن الله سبحانه وتعالى ينصركم بل ويثبت أقدامكم فهذا وعد من الله عز وجل والله لا يخلف الميعاد ليس فقط في الآخرة بل في هذه الحياة الدنيا أيضاً فوعد الله سبحانه غير مخلوف مُطلقاً سواء كان وعداً دنيوياً أو أخروياً فقد قال تعالى:( وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) فالله سبحانه وتعالى أوجب على ذاته المقدسة أموراً منها (كتب ربكم على نفسه الرحمة) كذلك نصر الله للمؤمنين هي من الأمور التي أوجبها الله على نفسه حقاً للمؤمنين بقوله (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين).
*فإذا كان الانسان يعتقد أن أقوال الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم وكلامه المقدس صادق ولا يتأخر فهذا لا يختلف الحال فيه بين أن يكون إخباراً عن الماضي كقصص السابقين وبين أن يكون حكماً شرعياً فعلياً وبين أن يكون أمراً مستقبلياً.
فالله سبحانه وتعالى وعد المؤمنين وعداً صادقاً جازماً بالنصر وبالتوفيق وأنه يدافع عنهم مهما اشتدت بهم الخطوب والله سبحانه وتعالى هو الأصدق في قيله ( ومن أصدق من الله قيلاً) وكذلك في قوله(ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) تأكيداً على نصر الله لأوليائه وعباده الصالحين إلى غير ذلك من المواعيد الصادقة والأقوال الجازمة القرآنية التي تفيد هذا المعنى ، فثق بوعد الله وصدق كلام الله عز وجل أنه ينصرك وينصر المؤمنين.
٢/ الأمر الثاني هو مقدرة الله على كل شيء فهو الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولافي السماء
فوجود العقبات هو الذي يؤخر الأشياء عن أن تترتب نتائجها على مقدماتها ومثال على ذلك حينما تريد أن تبني لك بناء فلا يتحقق ذلك إما بسبب قلة المال أو قلة من يعمل فلا يتم ذلك البناء بسبب وجود تلك العقبات وهي قلة المال او اليد العاملة فالحصيلة أن هناك شيء يعجزك عن إتمام مشروعك، أما الله سبحانه وتعالى فإنه على كل شيء قدير وهو بكل شيء عليم خبير فإذا كان كذلك فمن ذا الذي يُعجز الله سبحانه من أن يُرتب أثر الانتصار وأثر التوفيق لعباده المؤمنين والصالحين ومن يقدر على أن يقف أمام هذه الإرادة الإلهية!! فكل الدنيا لو اجتمعت بقواها وبأسلحتها وتخطيطها وأموالها فإنها لا تقاوم إرادة الله سبحانه في أن ينصر أوليائه حتى ولو كانوا ضُعفاء وفقراء وقليلون وهو القائل جلّ وعلا ( كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) فالله سبحانه وتعالى إذا شاء وأراد فلا معنى للكثرة والقلة والقوة والضعف إذ كل شيء خاضع لله عز وجل فإذا كنت على خط الله وطريقته فإن الله سبحانه قد تكفل بالدفاع عنك في قوله ( إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يُحب كل خوان كفور) وهي الطريقة ذاته التي اتبعها الله مع أنبيائه وأوصيائه وأوليائه، فعندما يرجع الانسان إلى القرآن الكريم وإلى قصص الأنبياء والأولياء سيجد أن نصر الله معهم مع أن الفتن محدقة بهم والقوى المعادية هي التي تقف أمامهم لكن النتيجة كانت ان الله نصرهم.
*شواهد على أثر التوكل على الله وتفويض الأمر إليه...
١/ماورد في حديث محمد ابن الفرج عن الإمام علي ابن موسى الرضا عليه السلام عندما جاء إليه يشكوا إليه وضعه المتعسر على مختلف المستويات ويطلب منه التوجيه فقال له الإمام:(بعد صلاة الفجر ادعوا بهذا الدعاء كل يوم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد فوقاه الله سيئات مامكروا لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضلٍ لم يمسسهم سوء ماشاءالله لا قوة إلا بالله ماشاءالله لا ماشاء الناس ماشاء الله وإن كره الناس حسبي الرب من المربوبين حسبي الخالق من المخلوقين حسبي الرازق من المرزوقين حسبي الله رب العالمين حسبي من هو حسبي حسبي من لم يزل حسبي حسبي من كان منذ كنت لم يزل حسبي حسبي الله لا إله إلا هو رب العرس العظيم).
- في هذا الدعاء يأتي الإمام الرضا عليه السلام بشواهد من القرآن الكريم في أثر التفويض
أولها قصة رجل آمن بالله عز وجل وهو من الأقباط من آل فرعون حيث كان يعيش في وضع دائم المراقبة من قِبل فرعون وجنده وانصاره وكان في حالة خوف ورعب دائمة من العثور عليه وبالتالي ينتهي أمره إلى الإعدام ولكنه كان يقول (وأفوض أمري إلى الله) أي انا جعلت أمري مفوض إلى الله فكانت النتيجة هي (فوقاه الله سيئات ما مكروا) فيكون هذا هو أثر التوكل وتفويض الأمر إلى خالق البرايا هي الوقاية من الله عز وجل .
- والشاهد الآخر يتجلى في قصة نبي الله يونس حينما كان في بطن الحوت (فنادى في الظلمات أن لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم) وهذا لا يكون خاص بنبي الله يونس باعتباره نبي وفي داخل بطن الحوت في داخل البحر بل يقول الباري (وكذلك ننجي المؤمنين) فهذه طريقة من طرق النجاة والنجاح والفلاح بأن يُردد الإنسان الذكر المعروف بالذكر اليونسي عن العلماء حينما تحدق به المشاكل وهو(لاإله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين)
وهذا الذكر هو نفسه الوارد في صلاة الغُفيلة التي يُستحب للإنسان أن يتنفل بها بعد صلاة المغرب بنية نافلة المغرب حيث تقرأ بعد الفاتحة في الركعة الأولى آية(وذا النون إذ ذهب مغاضباً) وفي الثانية بعد الفاتحة(وعنده مفاتح الغيب) بالإضافة إلى القنوت بكيفيته المذكورة فيحصل الإنسان على ثواب النافلة وثواب الغفيلة.
- أما الشاهد الثالث المستفاد من دعاء الإمام الرضا عليه السلام والذي علمه لابن الفرج ليستفتح يومه به لأنه سوف يُعينه على مشاكله ويُعطيه قناعه بأن هذه هي طريقة الله مع أوليائه وعباده الصالحين اللذين يمشون مع الله ونتيجة ذلك أنهم يزدادوا إيماناً وينقلبوا بنعمة الله وفضلٍ لا يمسهم سوء .
فقد قال تعالى(الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) هذه الآية الشريفة تتحدث عن قصة نبينا المصطفى محمد صلى الله عليه وآله بعد غزوة أحد يقول المفسرون أن النبي قد عرف أن قيادة قريش المتمثلة في أبو سفيان تُريد من جديد أن تكرّ على المسلمين بعد أن أثخنت فيهم الجراح في الجولة الأولى لكي تقضي عليهم فأمر النبي المصطفى محمد صلى الله عليه وآله المسلمين بأن يشدوا جراحهم وينهضوا لمطاردة المشركين، فلما وصل الخبر إلى المشركين عن طريق أحد رجال قبيلة خُزاعى الذي قال لهم إن محمداً وأصحابه قد أعدوا لكم جمعاً غفيراً لكي يكرون عليكم فما كان من أبو سفيان إلا أن جعل جعلاً ومالاً لشخص ٍ رآه في الطريق فسأله إن كان يعرف الطريق إلى يثرب فأجابه بنعم وأعاد السؤال هل تعرف محمد وأصحابه فأجاب بنعم فقال له: خذ هذا المال واذهب إليهم وأخبرهم بأن أبو سفيان قد جمع لكم جيشاً كبيرا حتى يكّر عليكم مرة أخرى تخويفاً وترهيباً، فجاء ذلك الرجل لرسول الله صلى الله عليه وآله فأخبره بما قال له أبو سفيان حيث عبّر القران الكريم عن ذلك بقوله(اللذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا) فكانت النتيجة أنهم ازدادوا ايماناً وقالو ( حسبنا الله ونعم الوكيل ) فنحن متوكلون على الله وبالتالي (فانقلبوا بنعمة من الله لم يمسسهم سوء)
وهذا مثل مايحدث في حياتنا المعاصرة عندما تترصد الأعداء بحشد القوى والاعلام بقصد التخويف والاستسلام لهم سواء كان ذلك عدواً من الشياطين الأنسية أو الجنية ولكن المتوكلون على الله والمتحصنين به فلن يمسسهم سوء ولينقلبوا بنعمة منه وفضل.
*نستفيد من هذا العرض أن جميع تجارب الأنبياء والأوصياء والصلحاء مع الله تعالى أنه بشكل دائم يُنزل عليهم النصر والفتح حتى وإن كان هذا النصر ليس بمعنى الغلبة الظاهرية حيث نرى هذا المعنى يتجلى بشكل واضح في نصر الله للإمام الحسين عليه السلام حيث تتحرك الملايين من البشر في كل عام مابين باذلٍ لماله ومنفق لوقته وآخر مجتمع مع أخوته فأي نصر أعظم من هذا النصر حتى وإن قُطع في ذلك المكان إرباً إرباً لكن الثمن هو الحق وهو ثمن عظيم جداً.
*الملائكة شاهده على مصيبة الإمام الحسين..
(جَلّت مصيبته في السماوات على جميع أهل السماوات وجَلّت مصيبته على أهل الإسلام) إذا كانوا قد عرفوا مصيبة الحسين وأهدافه التي نهض من أجلها كما ذكرنا في ليلة سابقة لماذا أن أهل السماوات جلّت عليهم هذه المصيبة لأنهم شاهدوها رأي العين وعلموا بها علماً مباشراً لا عن طريق النقل الذي قد يُغفل شيئاً وينقل شيئاً آخر ويختصر شيئاً ويُطنب في آخر وهناك العديد من الروايات التي تُخبر أن الملائكة حينما رأت ما فُعل بالإمام الحسين عليه السلام ضجت إلى الله تُريد النزول إلى نُصرة الحسين عليه السلام فكان أن أوكل الله سبحانه جيلاً من الملائكة تُرابط عند قبر الحسين عليه السلام فوجاً نازلاً وآخر صاعداً من أجل أن يصل دعاء الصالحين والزائرين إلى الله فهم شُعث غُبر إلى يوم القيامة يزورون الحُسين عليه السلام.
وصلى الله على سيدي رسول الله صلى الله عليه وعلى أهل بيته