ماذا صنعت شهادة سيد الشهداء الحسين عليه السلام + المقتل
ليلة عاشوراء ويومها تتهيأ فيهما النفوس إلى البكاء والرثاء والدمعة على الحسين (عليه السلام) أكثر من أي شيء آخر، فهي مناسبة حزنٍ وبكاء. عن الإمامِ الرِّضَا (عليهِ السَّلَامُ) قالَ: (كانَ أَبِي صلواتُ اللهِ عليهِ إِذَا دَخَلَ شَهْرُ المُحَرَّمِ لَا يُرَى ضَاحِكًا، وَكَانَتْ كَآبَةٌ تَغْلِبُ عَلَيهِ حَتَّى يَمضِيَ مِنهُ عَشَرَةُ أَيَّامٍ، فَإِذَا كَانَ يَومُ العَاشِرِ كَانَ ذَلِكَ اليَومُ يَومَ مُصِيبَتِهِ وَحُزنِهِ وَبُكَائِهِ، وَيَقُولُ: هَذَا اليَومُ الَّذِي قُتِلَ فِيهِ الحُسَينُ صَلواتُ اللهِ عليهِ). [الأمالي، الشيخ الصدوق: ص١٩٠]. ويحقُّ للمؤمن وفاءً لحق الحسين أن يقضي ليلة عاشوراء ويومه بل أكثر من ذلك في الحزن والتفجُّع والجزع والبكاء عليه؛ كيف لا وفي الزيارة المنسوبة لصاحب الأمر (عليه) السلام): "فَلَئِنْ أخَّرَتْني الدُّهُورُ، وَعَاقَنِي عَنْ نَصرِكَ المَقدُورُ، وَلَمْ أكُنْ لِمَنْ حَارَبَكَ مُحَارِبًا، وَلِمَنْ نَصَبَ لَكَ العَدَاوَةَ مُناصِبًا، فَلأنْدُبَنَّكَ صَبَاحًا وَمَسَاءً، وَلأبْكِيَنَّ لَكَ بَدَل الدُّمُوعِ دَمًا، حَسْرَةً عَلَيكَ، وتَأسُّفًا عَلى مَا دَهَاكَ وَتَلَهُّفًا، حَتَّى أمُوتُ بِلَوعَةِ المُصَابِ، وَغُصَّةِ الاِكْتِئَابِ". [زيارة الناحية المقدسة، للإمام الحجة (ع)]. يستحق الحسين كل هذا الحزن والأسى والبكاء.
مصيبةٌ عُظمت على أهل السموات والأرض
مصيبة الحسين عُظمت على أهل السموات والأرض: "وَعَظُمَتْ مُصِيبَتُكَ فِي السَّماواتِ عَلى جَمِيعِ أَهْلِ السَّماواتِ" [زيارة عاشوراء، كامل الزيارات، الشيخ جعفر بن قولويه القمي، ص ١٧٤]. لماذا قُدِّمَ مصاب أهل السماوات بالحسين على مصاب أهل الأرض بها؟
لأن أهل السموات كانوا ناظرين إلى ما حدث للحسين ويرون تفاصيله. أمَّا نحن فنسمع من المؤرخين ومن الرواة ما حدث له. نسمع ولم نرَ ولم نُشاهِد. وصلنا أن الحسين قال: "يا قوم وحق جدِّي أنا عطشان". نحن نسمع (أو نقرأ)، لكن الملائكة سمعوه مباشرة وشاهدوا عطشه. نحن نسمع من الخطباء يقرؤون:
|
فَدَعَا فِي القَومِ يَا للَّهِ لِلخَطبِ الفَظِيعِ |
نَبِّئُونِي أَأَنَا المُذنِبُ أَم هَذَا الرَّضِيعِ؟ |
لكن الملائكة رأوا الحسين وهو يحمل رضيعه أمام القوم يطلب منهم شربة ماء ليبرِّد به حرارة عطش ابنه. عرفت الملائكة بعين المشاهدة تفاصيل ما جرى عليه وعلى أهل بيته وعلى أصحابه؛ فالمصيبة عظيمة لأنهم عاينوها.
مصيبة عُظمت على أهل الإسلام
هذه المصيبة عَظمت على أهل الإسلام: " لَقَدْ عَظُمَتِ الرَّزِيَّةُ وَجَلَّتْ وَعَظُمَتِ الْمُصِيبَةُ بِكَ عَلَيْنَا وَعَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ" [زيارة عاشوراء، كامل الزيارات، الشيخ جعفر بن قولويه القمي، ص ١٧٤]، فإذا كان مسلمٌ في الكرة الأرضية قديمًا وحديثًا سمع عن مصيبة الحسين ووعاها وعرف أهداف شهادته؛ فإنه من الطبيعي أن تعظُم عليه مصيبةُ الحسين إلا إذا لم يكن من أهل الإسلام. أهل الإسلام الذين اطَّلعوا على حركة الحسين ونهضته وأهدافه لا يملكون إلا تعظيمه وتعظيم مصابه؛ فيحزنون لما أصابه ويبكون عليه.
إن من يُنكر ما حدث على الحسين فإنه ليس من الإسلام الحقيقي في شيء، بل من أهل الإسلام القشري الجامد الأموي.
في ليلة عاشوراء ويومها تتهيَّأ النفوس لذكر مصرع الحسين، لكن مع ذلك لا بد من الحديث عن شيء من شهادته وعن آثارها منذ حدوثها إلى يومنا هذا.
أثر الحسين في نفوس محبيه
لعلنا لا نجد حدثًا ولا شخصًا في تاريخ البشر حرَّك الناس على مدى قرون متمادية (نحو ١٤ قرنًا) كما صنع الحسين بحركته وبشهادته. وإننا نتساءَل: هل هناك أحد يستطيع أن يحصيَ منذ شهادته إلى يومنا هذا كم من الأموال أُنفقت لتحريك ذكرى الحسين؟ لا أحد يستطيع أن يحصيَ ذلك إلا ربُّ العباد.
كم من الأفراد في هذه السنين المتطاولة تحركوا في سبيل الحسين؛ فأنفقوا الأموال، وأقاموا المآتم، وخدموا فيها، بلَّغوا وبيَّنوا، وأقاموا الحسينيات وسيَّروا المواكب، وذكروا الحسين في كل أرض وفي كل زمان؟ لو أنَّ مؤسسة ضخمة جدًّا أرادت أن تُحصيَ ذلك لما استطاعت، ولا يحصي ذلك إلا الباري سبحانه وتعالى.