خوف الفقر كيف يهلك الإنسان؟
كتابةالفاضلة هذيل العبدالعال
مقدمة الحديث: أصل الخصلتين المهلكتين
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا أبو القاسم المصطفى محمد وعلى أهل بيته الطيبين الطاهرين المعصومين المكرمين. السلام عليكم أيها الأخوة المؤمنون أيتها الأخوات المؤمنات ورحمة الله وبركاته.
ورد في الحديث عن أمير المؤمنين علي صلوات الله وسلامه عليه أنه قال: "أهلك الناس اثنان: طلب الفخر وخوف الفقر". وقد ذكرنا في حديث سابق شيئاً عما يرتبط بالخصلة الأولى المهلكة وهي طلب الفخر، وقلنا إن هذا الحديث قد أورده الشيخ الصدوق محمد بن علي ابن بابويه القمي المتوفى سنة ثلاثمائة وواحد وثمانين هجرية، وهو أحد أعظم محدثين وصاحب واحد من الكتب الأربعة المعروفة عند الإمامية وهو كتاب "من لا يحضره الفقيه". هذا الحديث ورد في كتاب آخر من كتبه وهو كتاب "الخصال"، وقد نظم فيه مؤلفه الأحاديث على أساس الأعداد ما جاء في رقم واحد، ما جاء في رقم اثنين، ما جاء في رقم ثلاثة وهكذا من أحاديث أخلاقية أو عقائدية أو في السيرة والتاريخ. فمن جملة ما ورد في باب الخصلتين ورقم اثنين هذا الحديث "أهلك الناس اثنان"، الناس هنا مفعول به مقدم واثنان فاعل مؤخر، وطلب الفخر وخوف الفقر تفسير لهذه الكلمة اثنان.
مخاطر طلب الفخر وآثاره الأخلاقية
وقد سبق أن ذكرنا شيئاً عن كيفية أن يهلك الناس طلب الفخر فلا نعيد، وإجمال ذلك أن من الممكن أن يتصور الهلاك بمعنى التعب، أن الإنسان ظل طول عمره يشقى ويتعب حتى يكشخ ويتفاخر أمام الآخرين فهو في تعب دائماً وفي مشاكل، وقد يضطر إلى الاقتراض ويعيش عمره بالقرض من أجل أن يفتخر على غيره، وأن يرى على أنه شيء عظيم، يلبس ما لا يملك ويسكن في ما لا يملك ويركب في ما لا يملك، المهم أن يفتخر أمام الآخرين بهذا المظهر.
وقد يكون بالإضافة إلى ذلك معنى الهلاك أنه سيترتب على هذا محاذير أخلاقية، فإن الإنسان إذا افتخر يريد الكبر على غيره، ومجرد يقول أنا كشخة وإنما معنى ذلك أنا أفضل منك وأحسن منك وأكبر منك، فيتكبر على من سواه. بل أكثر من هذا قد يصل إلى درجة أنه يطلب أموراً بناء على هذا الكبر، مادام أنا عندي الفخر وأنا أكبر منك فإذاً يجب عليك أن تحترمني ويجب عليك أن تطيعني ويجب عليك أن تتأخر عني لأن أنا أفضل من عندك، فهي سلسلة من المنحدرات الأخلاقية.
يضاف إلى ذلك ما يترتب على هذه الأمور من عقوبات أخروية، فإن التكبر على الآخرين ينتهي بهذا الإنسان كما ورد في الروايات إلى أن يأتي المتكبر يوم القيامة وهو بحجم الذر قياساً إلى الناس. أنت تجيب صورتك الطبيعية وحجمك الطبيعي وذاك المتكبر يجي بمقدار الذر، الذر إما بحسب الروايات أو بما وصل إليه العلم الآن من الذر وهي أصغر مكون للأجسام، وقد قالوا في اللغة العربية شيء تقريب من هذا، شايف لما الشمس تسطع على مكان ويتصاعد الهباء هذا مثل الغبار الدقيق طيب ويرى، فهذا يقال له ذر، هالمقدار هذا يأتي الإنسان المتكبر بهالمقدار هذا يوم القيامة. أنت تأتي بحجمك الطبيعي وبأفعالك الكثيرة وبأعمالك الخيرة وهو يأتي بهذه الصورة التي هي أقل من ملي متر واحد ودون ذلك، فهذا طلب الفخر كيف يكون مهلكاً للإنسان.
تعريف الفقر بين "ذات الفقر" و"خوف الفقر"
وأما الخصلة الثانية المهلكة فهي خوف الفقر. أكو عندنا ذات الفقر وأصل الفقر، وعندنا خوف الفقر. ذات الفقر يعني أن الإنسان لا يكون عنده من المال ما يقوم بحاجاته، ولذلك عرف الفقير مثلاً بأنه من لا يملك قوت سنته، لا عند رصيد في البنك، لا عند ميراث، ولا عند شغل يدر عليه المال يوماً فيوماً أو أسبوعاً في أسبوع أو شهراً في شهر، لا هذا عنده ولا هذا عنده، فلا تقوم أمواله بكفاية شأنه من طعام وشراب وكساء، هذا يقال له فقير وهو يستحق زكاة الفطرة ويستحق الزكاة العامة وما شابه ذلك.