العدل فيما بينك وبين غيرك وأن تنصبه ميزانا بينك وبين الناس فلا تفضل القريب منك على البعيد في الأحكام فـ (إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ) وليس المقصود هنا خصوص القاضي في المحكمة بل حتى في تقييمك للأشخاص فـ (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ) لا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى )، وفي حياتك العائلية ينبغي أن تكون قائمة على أساس العدل بحيث يكون تشكيل أسرة جديدة مربوطا بهذا الأصل ( فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً ) . هذا الارتباط بين المفاهيم والأصول الدينية من جهة وبين الأحكام الفقهية والتشريعات الأخلاقية من جهة أخرى ينبغي أن يؤكد في حياة الناس ، لوجود الخطأ في هذه الناحية ،
فنحن نحن عندما نقول أن فلانا متق.. ماذا يعني ؟ إن التصور الموجود هو أنه يصلي الصلاة في وقتها وهو متعبد متهجد . غير أن النبي صلى الله عليه وآله حسبما في الرواية ، أشار إلى صدره وقال : التقوى هاهنا .. يعني ليست التقوى في االشكل الخارجي ، أو المظاهر العبادية ، فقد تكون هذه حاكية صادقة عن التقوى وقد تكون كاذبة ، لا تصور الحقيقة ..لكن الإسلام يأتي ويقول هذه الحالة الموجودة في داخل قلبك .فهل هناك حالة رادعة في الداخل؟ رادعة عن المعصية وعن الظلم ، بل عن الغضب فـ ( ان تعفو أقرب للتقوى)، هناك ارتباط بين العفو والتقوى ، هناك ارتباط بين الصبر والتقوى كما يقول القرآن (إنه من يتق ويصبر فإن الله مع المحسنين
) .التقوى ترتبط بترك الربا في المعاملات التجارية (ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا مابقي من الربا ) التقوى ترتبط بالتعامل في البيت ومع الزوجة ()ِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ ) . ها نحن نرى أن مفهوم التقوى والمتقي لا ينحصر في سبحته وعبادته ومسجده وإنما يتمدد على كافة أصعدة الحياة . وليس لديه ساعة لله لا نصيب فيها للقلب ، وأخرى للقلب لا نصيب فيها لله ..كلا .كل الساعات هي لله وهي للانسان ، فإذا سررت أهلك في ساعة فتلك الساعة لله ، وإذا صليت فصنعت الطمأنينة في نفسك فهذه الساعة لك ، وهما معا لله وفي كلتيهما يكون الثواب والأجر . لاحظ أوضح عملية ( دنيوية )وهي المباشرة بين الزوجين وهي بحسب الظاهر ليس فيها أي جهة
أخروية ، فالرجل يثير شهوته الجنسية ويقضيها من خلال هذه العملية والمرأة كذلك ولكن مع ذلك يعتبرها الإسلام عملا صالحا ويثاب عليها كل من الرجل والمرأة . فعن الرسول صلى الله عليه وآله أنه قال : في بُضع أحدكم صدقة ! قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها اجر؟ قال : أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر . وفي حديث آخر قال : إذا هو جامع تحات عنه الذنوب كما يتحات ورق الشجر فإذا هو اغتسل انسلخ من الذنوب . كان ما تقدم من السطور محاولة لبيان خطأ الفكرة القائلة بانفصال الجانبين الروحي والمادي .. وحين ننظر إلى كلمات المعصومين في وصف المؤمنين والمتقين نجد تعانق
الصفات وتواصلها فهلم معي لكي نسمع أمير المؤمنين كيف يصف المتقين ؟ سوف لا تجد وصفا للمظاهر والخارج ، لن يتحدث عن الثياب ، ولا عن إطالة اللحى ، ولا الهيئة الشخصية وإنما ( المتقون فيها هم أهل الفضائل . منطقهم الصواب ، وملبسهم الاقتصاد ومشيهم التواضع . غضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم ، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم . نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالتي نزلت في الرخاء . ولولا الأجل الذي كتب لهم لم تستقر أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب ، وخوفا من العقاب . عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم ، فهم والجنة كمن قد رآها فهم فيها منعمون ، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون .