المال في جهته الفردية والاجتماعية

( ولكنني آسى أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها ، فيتخذوا مال الله دولا ، وعباده خولا ، والصالحين حربا ، والفاسقين حزبا ) . يوجد في المال الذي يتملكه الانسان جهتان : جهة شخصية وهي ما يرتبط بحامل المال ومالكه من أداء أغراضه كالأكل والشرب واللبس وغير ذلك مما قد يطلق عليه في اللغة ( أكل المال )والحاصل أن المال يغطي حاجات الإنسان الشخصية ومتطلباته الحياتية وفي هذه الجهة تكون رغبة الانسان وذوقه هي الحاكم في كيفية التصرف المالي . وهناك جهة أخرى في المال وهي الجهة الاجتماعية أو العامة وذلك أن المال الذي يملكه كل إنسان هو جزء من الدورة الاقتصادية والمالية الموجودة في المجتمع وبهذا المنظور يكون هذا المال جزءا من دورة اقتصادية كبرى عالمية وآنئذ

يتأثر الاقتصاد بشكل أو آخر بالاختناقات الاقتصادية الموجودة في الأماكن المختلفة . وهذه الجهة هي التي تبرر قوانين الإسلام وتشريعاته التي تضرب على السفه الاقتصادي حسب التعبير .. فكما أن للإسلام توجيهات فيما يرتبط بالإدارة الشخصية للمال ، له توجيهات وقوانين حازمة فيما يرتبط بالجانب الاجتماعي للمال ..فلا يستطيع الإنسان أن يقول المال مالي وأنا بمزاجي . ويشبه بعضهم الدورة الاقتصادية بالدورة الدموية في الإنسان ، فالدم الموجود في جسمه يتوزع على الأوردة والشرايين والعروق ولو تصورنا أحد العروق أعلن إضرابا عن العمل ومنع من مرور الدم ، أو تراكم فيه الكلسترول والدهون بحيث أصبح مرور الدم من خلاله عسيرا ، لا شك أن الجسم سوف يتأثر ويتعرض لجلطة أو متاعب في القلب .وربما مات ذلك الانسان ، ليس لوجود

الخلل في العروق وإنما لارتباط حركة الدم فيها بحركته العامة في الجسم . الأمر هو كذلك في المسألة الاقتصادية ، وإن كان التأثر لا يتضح بالخلل البسيط والفردي ، في المال لكبر مساحة الدورة الاقتصادية ، وصغرها في الجسم .ولكن بنحو الاجمال المال في الدورة الاجتماعية المحدودة هو كالدم في الدورة الدموية في الجسم ..فإذا مكان من الأماكن صار معطوب ..إذا مكان مشى على غير القاعدة ..إذا مكان صار فيه اختناق..ذاك الوقت كل اقتصاد المجتمع يتأثر وربما ينهار لسبب وجود ذلك الاختناق كما هو حال الجسم في الجلطة القلبية . ولهذا تؤثر الحوادث على الاقتصاد العالمي بشكل واضح ، فإن اضطرابا سياسيا في منطقة مهمة من الممكن أن يؤثر في أسعار النفط أو الذهب ، وحدوث حرب في منطقة استراتيجية

أو تهديد فيها ينتهي إلى أن يدفع الجميع فاتورة هذه الحرب كما شاهدنا ! أسعار التأمين ترتفع وهذا يعني أن قمح أهل هذه المنطقة يرتفع سعره ، وموادهم الاستهلاكية كذلك .. وهكذا . وأسعار النفط لو ارتفعت لسبب من الأسباب فإن البعض ربما يرتاح ويستبشر لكن الأمر ليس تاما على إطلاقه فإن معنى ذلك أن الصناعات التي تدخل المنتجات البترولية فيها ( كالسيارات و الأدوات الكهربائية وغيرها )ترتفع أسعارها بنسبة أكثر من ارتفاع سعر النفط الخام وهكذا . هذه الجهة الاجتماعية للمال لا تتأثر فقط بما يجري في مجتمعنا وإنما ما يحدث في المجتمع الأكبر لذلك يشرع الإسلام قوانين في كلتا الجهتين ،في هذا الجانب الاجتماعي يقول الإمام أمير المؤمنين (ع) ولكني آسى ، مع أنه لو كانت القضية قضيتي

فلا مشكلة ..ألقي حبلها على غاربها، ولكن المشكلة عندي هي أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها فيفسدوا العملية الاقتصادية ويتخذوا مال الله دولا ، يعني عوض أن يكون هذا المال خادما لكل المجتمع ضمن دورة واسعة يحرك طاقة العمل في المجتمع كله ..وآنئذ حتى الفقير يستطيع أن يستفيد من هذا المال المتحرك ، بدلا من ذلك يبقى هذا المال متداولا بين مجموعة من الكبار الذي سمّاهم الإمام بالسفهاء والفجار يتداولونه فيما بينهم من دون أن ينال منه بقية أبناء المجتمع إلا الفتات . ويلاحظ هنا أن التعبير فيه عناية ..المال لمن هو ؟ يقول الإمام  هذا مال الله على نحو الحقيقة ، كما في الحديث القدسي عن الله  : المال مالي ، والفقراء عيالي ، والأغنياء وكلائي

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٣,٠١٠

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة