امامة اهل البيت عليهم السلام في نهج البلاغة

حاكمين متسلطين فهو الإمام دونهم ! السلطة في النظرية الأولى تعطي الإمام والإمامة معناها ، بينما ليست كذلك في الثانية ! ولو أردنا التقريب بمثال عرفي ، فإننا نستورد مثال الورقة النقدية التي يكون اعتبارها بيد الجهة المصدرة لها وقيمتها بحسب ذلك الاعتبار ويمكن أن تسلبها الاعتبار في أي وقت ، بينما العملة الذهبية قيمتها في ذاتها بغض النظر عن اعتبار الآخرين إياها الامام في النظرية الأولى قيمته بمكانه وبطاعة الناس له ، بينما في النظرية الثانية قيمته بنصب الله إياه عن طريق النبي أو الامام السابق ولا يضره أن لا يكون حاكما مسيطرا ! ولعل هذا يفسر مقدار ( زهد ) الامام أمير المؤمنين في الخلافة الظاهرية ، وتشبيهه الإمرة أحيانا بفردة النعل إلا أن يقيم حقا أو يدفع

باطلا فقد روي عن عبد الله بن العباس دخلت على أمير المؤمنين عليه السلام بذي قار وهو يخصف نعله ! فقال لي :ما قيمة هذا النعل ؟ فقلت : لا قيمة لها ! فقال عليه السلام والله لهي أحب إلي من إمرتكم إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا . وكذلك مما يلاحظ فيها أن ( رأي ) الناس و ( طاعتهم ) مؤثرة تأثيرا كاملا بحسب النظرية الأولى بحيث أن الناس لو رفضوه أو عزلوه ولم يطيعوه لم يبق له من مبرر ، ولم يعد إماما بل ربما صار متسولا من المتسولين على قارعة الطريق كما نقل عن بعض الخلفاء العباسيين المتأخرين عندما فقأ الأتراك عينيه وعزلوه عن الحكم ، صار يتسول قائلا : أنا بالأمس خليفتكم واليوم كما

ترون ! وأما على النظرية الثانية فإنهم لم يصبحوا أئمة برأي الناس حتى تنتهي بانتهاء طاعتهم ! بل الامام هنا إمام منصوب من قبل الله تعالى ومعين من النبي صلى الله عليه وآله ، وكما لا يضر النبي أن يخالفه قومه أو يكفروا به بل أن يقتلوه ، فلا يؤثر ذلك في نبوته ، بل يبقى نبيا ، فكذلك هو حال الامام . ومثلما أنه لا يمكن للمكلف أن يخلع طاعته للنبي إلا إذا كفر به ، فكذلك الحال بالنسبة للامام ، بل نفس الإمام لا يستطيع أن ( يستقيل ) من الإمامة وما يُرى من تسليم بعض الأئمة الرئاسة الظاهرية للحكومات الفعلية كما فعل الامام علي  وبعده الحسن المجتبى  إنما هو تقديم لمصلحة الإسلام وتنازل عن الرئاسة

الظاهرية لا عن الرئاسة الدينية والإمامة الحقيقية ، وأما الامامة فلا يستطيع أن يتركها لغيره ممن ليس بإمام ...يقول لك فو الله لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين . ميزات آل محمد : كل هذا لم يكن اعتباطا ولا عبثا وإنما كان بناء على مميزات كانت في محمد وآل محمد جعلتهم محل اختيار الله سبحانه قادة لهذه الأمة ، ولا ينبغي أن يقال أن هؤلاء من قريش وغيرهم من قريش فإذن يمكن أن يكونوا محلهم ! أو كما قال المنصور العباسي للإمام الكاظم  أنه ما الذي يفضلكم علينا ونحن من بني هاشم ؟ يجيب الامام أمير المؤمنين  على ذلك بالقول : ( لا يقاس بآل محمد من هذه الأمة أحد )! فليست القضية أن هؤلاء أفضل من غيرهم ،

بعدما كان بينهم وبين غيرهم جهة اشتراك ثم جهة تفضيل ، بل لا محل للمقايسة أصلا .فلو كان لديك شمعة وكان في الطرف الآخر الشمس ليس من الحكمة أصلا أن تصنع بينهما مقايسة .. وتقول بأن الشمس أنور من الشمعة ! أهل البيت لا يقاس بهم أحد ولا يسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه أبدا ، هم أساس النعمة وفي طليعتهم جدهم رسول الله صلى الله عليه وآله ، وأهم النعم نعمة الهداية إلى الايمان ، فضلا عن سائر النعم . أساس الدين وعماد اليقين إليهم يفيء الغالي وبهم يلحق التالي وفيهم خصائص الولاية ولهم الوراثة والوصية ) كذلك فإن دورهم في الأمة هو أنهم ميزان ومرجعية في الفكر ، فإذا أريد الحصول على التعادل والتوازن الفكري بحيث أن الغلاة

مشاركة عبر:
الشيخ فوزي آل سيف

عدد المواد المنشورة: ٢,٩٦٢

أرشيف الكاتب
البحث في الموقع
الأكثر قراءة