.. وكان أولاده أغنياء ( فإنه قد ذكر أنه مع كونهم فقراء فالأولى أن يوصي بما هو أقل من ذلك ) . في الرواية أن أبا لبابة بن المنذر ، لما تخلف عن رسول الله بتبوك ، استشعر خطأه فربط نفسه بسارية المسجد ، ( وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة:١٠٢) ، فلما نزلت قال : إن توبتي يارسول الله أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كله ، فقال له : يجزيك بأ أبا لبابة الثلث . وفي رواية أخرى أن سعدا بن مالك ، قال : مرضت فعادني رسول الله (ص) فقال أوصيت ؟ قلت : نعم بمالي كله للفقراء ،
وفي سبيل الله ، فقال : أوص بالعشر فقلت مالي كثير وذريتي أغنياء ، فلم يزل رسول الله يناقصني وأناقصه حتى قال : أوص بالثلث ، والثلث كثير !! بالطبع موقف الانسان هنا هو الأفضل وذلك أن الأول ( الخمس ) تكليف إلهي لا يستطيع الانسان الفكاك منه وإلا كان مذنبا ، بينما هو هنا متفضل ، وليس مطالبا به !! يبقى الحديث في توجيه هذه الانفاقات ، فإن من الاشكالات التي تطرح عادة في المجتمع أن قسما من الناس لا يقبلون على أداء الحق الشرعي ، لأجل أنهم لا يرون نتائجه وثمراته في مجتمعهم .. وهذا الكلام قسم منه مقبول وصحيح ، وقسم آخر يناقش فيه .. أما المناقش فيه ، فهو أن مسؤولية الانسان الخروج من عهدة ذلك
، ويستطيع لو أحرز رضى صاحب العصر في مورد أن يصرفه فيه ، لا سيما مع استجازته من الحاكم الشرعي ، وهذه الاجازة ممكنة . مثال : الحاج حسن العالي : استجاز من مرجع تقليده المرحوم الشيخ زين الدين ، في أن يصرف خمسه في دعم دراسة الفقراء وتحصيلهم العلمي ، معهد تدريب للطلاب ـ حدود ٢٠٠ ـ طالب في كل سنة ، فأجازه .. وهكذا الحال بالنسبة إلى بيوت الفقراء .. توفي رحمه الله قبل سنة وثلاثة أشهر تقريبا .. مثال آخر : الخوجة الذين يتفقون مع المرجع من البداية على الصرف على أنفسهم . وأما الجانب المقبول والصحيح ، فهو أنه ينبغي التفكير في مصارف الحق الشرعي ، بل والإنفاقات المستحبة .. كالثلث والوقف ، وغيرها .. ذلك
أنه لم تعد الصور السابقة من الانفاق ، كالانفاق على الأطعمة ، أو الأشياء المحدودة ، لم تعد هي الصور المطلوبة . مثال آخر : وهو الحاج حسين معرفي في الكويت الذي أوصى بعد اقتناعه بأن يكون ثلث ماله بعد موته لصالح مؤسسة ثقافية لنشر الكتب الدينية والاسلامية ، وقد نشرت تلك المؤسسة حتى اليوم مئات الألوف من الكتب . جوانب مما يطلب الصرف فيه : ١/ الحوزات العلمية ومراكز البحث العلمي في المنطقة .. إشارة إلى حوزتي الأحساء والقطيف ، والدعوة إلى دعم مراكز للبحث العلمي والفكري . كلام في مقدار ما يصرف على البحث العلمي والجانب الفكري .. ٢/ المؤسسات الإعلامية التي تنشر الصورة الصحيحة للمذهب وأتباعه : القنوات الفضائية التابعة لأهل البيت . شبكات الانترنت التي يحاربها
الآخرون بكل جهدهم .. المجلات والجرائد . ٣/ حفظ أبناء وبنات المجتمع من العبثية والانحراف : لزوم تشكيل برامج متنوعة ، ونشاطات متعددة تستوعب أبناءنا في أطر سليمة وهادفة .. ماذا لو قام البعض من ذوي الأموال في المساهمة في محاربة المخدرات .. التعاون في القضاء على البطالة عن طريق مراكز التدريب : الاشارة إلى ما تقوم به الجمعيات ( جمعية القطيف مثلا في تدريب وتوظيف الشباب والشابات ) . ٤/ نشر وتبليغ أحكام الدين وثقافة أهل البيت في الأوساط ، بشكل واسع ، ماذا لو صنعنا سلة كتب ( من عشرة كتيبات مختصرة فيها العقائد ، والتاريخ ، والفقه والأخلاق ) ووزعنا مثلا مئة ألف منها ؟ قد تقول هناك عقبات ، ولكن ( المرء يطير بهمته كما يطير
الطير بجناحيه ) . إن شخصا واحدا يؤلف اليوم موسوعة عن الحسين u من ٥٠٠ مجلد ، قد أنجز أكثرها . ( السيد الطباطبائي : توجه إلى كتابة ثلاثة كتب موجهة لمن يسلمون حديثا في تعريف مذهب أهل البيت : الشيعة في الاسلام ، القرآن في الاسلام ، حوارات .. وقد ترجمت للغات حية ، وكان لها أثر فعال .) . ٥/ الجوانب الاجتماعية : لجان الزواج ، ولجان إصلاح ذات البين ، ولجان إعانة الفقراء . ومن المهم أولا وأخيرا أن تبقى علاقة المؤمن الغني بالمجتمع وبالعكس علاقة تفاعل ، عطاء من جانب واحترام من جانب آخر ، ففي رواية أبي بصير قال : ( ذكرنا عند أبي عبد الله عليه السلام الأغنياء من الشيعة فكأنه كره ما سمع