شرح النهج : في البداية لا بد أن نتوقف عند ملاحظة وهي أن كثيرا ممن كان همهم اصلاح الأمة ، والدعوة إلى التقريب بين أطياف الأمة كان لهم شيء من الاهتمام بنهج البلاغة لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) ، فلقد حظي بالاهتمام من قبل الإمام الشيخ محمد عبده والدكتور صبحي الصالح ، ومن الشهيد مرتضى المطهري ، وآية الله شمس الدين وغيرهم .وقد يكون ما احتوى عليه النهج من أفكار في القمة ، تدعو هؤلاء وغيرهم إلى الاستضاءة بأنواره .ومن هؤلاء الشيخ ميثم بن علي البحراني ، فقد شرح النهج شرحه الكبير باسم ( مصباح السالكين ) واختصره أيضا ، وله شرح ثالث يعتقد أنه يتحد مع شرحه للكلمات المائة المختارة من كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) .وأول ما يلفت
النظر في شرحه للنهج هو أنه لم يكن قد مسوقا بظروف التقية التي تقتضي من البعض أن يختار ألفاظه بعناية حتى وإن كان معتقده خلاف ذلك , وإنما كان في ظرف يسمح له بحدود واسعة من الحركة في هذا المجال ، فإن الشخص الذي قدم إليه كتابه وهو علاء الدين الجويني الوالي في زمان أحمد تكدار ، يعد من موالي أهل البيت عليهم السلام ، ولم يكن مختلفا معه في المذهب ، وهذا يجعلنا نعتقد أن ما ذكره في شرح النهج يمثل فكره ومنهجه في التعامل مع القضايا التي شرحها من كلمات أمير المؤمنين (عليه السلام) . ويكسب هذا الشرح أهمية استثنائية .وثاني ما يلفت النظر :عنايته بنقل أقوال الجمهور في مواضع الاختلاف ، وإنصافهم في النقل ، ثم نقد
ذلك بما يعتقده من الدليل .. فإنه عندما يتحدث عن قضية أبي ذر مع عثمان تراه ينقل رأي غير الشيعة فيها ، والقائل بأن الربذة كانت من اختيار أبي ذر بعد أن خيره الخليفة بين عدد من المواضع ، ثم ينقل رأي الشيعة القائل بأنه أخرج إليها من غير اختياره ، ويقوي الثاني باعتبار أن نص الخطبة عن الإمام يتناسب مع هذا الرأي ( إن القوم خافوك على دنياهم وخفتهم على دينك )(٥).كما يستوقف الناظر أنه يعالج المسائل تلك بنفس بعيد عن الشحن والتعبئة ولعل نظرة على عدد من الخطب والكلمات التي شرحها ومقارنتها ببعض الشروح الأخرى تبين الفرق بين النحوين من الشرح : المتعقل والتعبوي .. هلم معي لننظر في بعض الخطب التي تتعرض إلى موضوع الخلافة ، وهو
من المواضيع الأساسية التي تثير الخلاف بين فئات المسلمين كما هو واضح. كيف عالج الشيخ ميثم مسائل الخلاف ؟ إن الشيخ ميثم الذي يتحدث عن الموضوع الأصلي في الخلاف في شرحه للخطبة الشقشقية(٦) بنفس محايد يعرض في أصل ثبوتها إلى الخطأ الذي وقع فيه بعض الشيعة حيث ادعوا تواترها لفظا عن الإمام علي (عليه السلام) ، يتعرض إلى الخطأ الذي وقع فيه بعض السنة الذين ادعوا أن الخطبة لا تصح نسبتها إلى الإمام وأنه لم يصدر عنه تظلم أو تشكٍ ، وبعد أن يقرر أن التصدي للاثبات والنفي في هذا المقام هو مظنة التهمة للشارحين . ينفي الأول ويعارض الثاني ، فلا تواتر لفظي كما يدعيه بعض الشيعة وإلا لكان معلوما لدى جميعهم ، ثم يبدأ في توجيه وتبرير فعل
علماء السنة في إنكار صدورها عن الإمام ، بأنهم ربما أرادوا تسكين خواطر العوام من أنه لم يكن بين الصحابة الأولين الذين هم أشراف المسلمين وساداتهم سوء أو خلاف ليقتدي بحالهم من سمع ذلك عنهم ! ويرى أن هذا مقصد لطيف . وأما لو كان المقصود هو أنه لم يقع فعلا شيء من ذلك الخلاف أو المنافسة في أمر الخلافة فإن ذلك لا يصح ولا ينكر حصوله إلا جاهل بالتاريخ وأخباره . ثم يذكر أن قضية التشكي والخلاف متواترة معنى .لتعدد نقلها واختلاف الفاظها .* في قول أمير المؤمنين (عليه السلام) : فلأسالمن ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا علي خاصة التماسا لأجر ذلك وفضله وزهدا فيما تنافستموه من زخرفه وزبرجه : قال الشيخ ميثم : إن
