إعداد الأستاذ عبدالباري الدخيل: تيَمَم بالصبر.. فعانقه الخلود.. للرحيل طعم الخسارة.. وللدمع سكنٌ العيون.. منذ عام سكنت نبضات قلبه الكبير.. بعد أن توزعت على الآلاف حباً.. وتسامحاً.. وحناناً.. وكانت ابتسامته تشيّع المحبين رغم مدلهمات الخطوب التي تنحني لها هامات الرجال.. لكنه لم ينحنِ قط.. فأمام ناظريه تلوح تلك القباب والمآذن.. باركها الرحمن.. تعانق السماء. عام مرّ فوق أهداب العين على رحيل الإمام محمد الحسيني الشيرازي (قدس سره).. نمد أيدينا نحو الكتّاب والباحثين والمريدين (٢) في تلك المدرسة التي أسسها الإمام الراحل (قدس سره) طيلة سنوات حياته الشريفة، ونتساءل معهم عن تلك الدروس التي حضروها.. وخطوات التعليم الأول.. وعن تلك الصباحات التي حضروا فيها درسهم الأول.. وعن كل المساءات التي سامروا فيها سويعات الإمام الراحل(قدس سره).. لقد كانت حياة الإمام الشيرازي
(قدس سره) حركة عطاء مستمرة علمياً وفكرياً وجهادياً... ما رأيكم بتأثيرات مدرسته على المرحلة التاريخية التي عايشها.. وتأثيراتها على الحاضر والمستقبل؟ - الشيخ فوزي آل سيف(٣): يتصور البعض من الناس أن القوة هي التي تؤثر، أو أن الأوضاع السياسية هي التي تصنع المرحلة التاريخية، بينما المستقرئ لتاريخ الحضارات يرى أن الذي يصنع كل ذلك هو الفكر والمعرفة، وعلى ضوئه تتحرك الأمم وتنشأ الحضارات. والفكر وإن لم تُر آثاره المباشرة بسرعة في أوضاع الأمة - إذ التغيير الذي يحصل تدريجي - إلا أنه مع امتداد الزمان يصنع تأثيرا هائلا. ونحن ننظر إلى فكر الإمام الشيرازي الراحل تغمده الله برحمته، من هذا المنطلق، فالثروة الفكرية الهائلة التي خلفها في الأمة، حقيقة بأن تصنع التأثير الحضاري المطلوب. لقد رأينا تأثير أفكاره الرائدة في
حاضرنا واضحا في الأماكن التي تفاعلت مع أفكاره وآرائه. وننتظر أن تتعرف باقي المناطق على هذا الفكر حتى يحصل التغيير على مستوى الأمة كلها. لقد كانت حياته (رحمه الله) مليئة بالمنعطفات الصعبة والأليمة.. فما هي رؤيتكم وتقييمكم لهذه المراحل من حياته؟ - الشيخ فوزي آل سيف: كان من الطبيعي أن يكون في حياته (قدس سره) الكثير من المنعطفات الصعبة والأليمة، بل كان خلاف ذلك غير طبيعي، فالرجل الذي حمل على عاتقه هدف إنهاض الأمة ككل، وليس مدينة أو بلدا.. ولم يتخل عن هذا الهدف منذ شبابه إلى أن اختاره الله، كان طبيعيا أن تكون العقبات إمامه بقدر أهدافه العالية. أذكر ذات مرة تشرفت بزيارته قبل انتقاله إلى الرحمة الإلهية، في منزله ولم يكن في الغرفة الصغيرة حينها أحد، فذكرت لسماحته
أنه لو يتم تنظيم الأمر الكذائي بالنحو المعين، لكان أكثر إنتاجا.. فتبسم رحمه الله وقال: هل تذكر بيت الشعر المذكور في مغني اللبيب: تعجبين من سقمي؟ صحتي هي العجب!! وكان في ذلك الاستشهاد إجابة على ما تم الحديث عنه، وعلى السؤال المذكور أعلاه يمكن أن يكون جواباً. المهم هو نمط مواجهته لتلك المصاعب والمشاكل، حيث لم تنحت من جبل إصراره شيئا. لعله لم يكن هناك ميدان من ميادين العلم لم يكن الإمام الراحل (رضوان الله عليه) قد خاض فيه ذلك الخوض الذي تمخض عن أكثر من ١٢٠٠ مؤلف فما هو تقييمكم لهذه الحالة العلمية الموسوعية؟ الشيخ فوزي آل سيف: أعتقد أن الله سبحانه وتعالى، ينعم - وهو المنعم الفياض - على البشر أحيانا بنماذج وقدوات عليا، من غير المعصومين، يؤدي
وجودها غرضين: - تقريب فكرة المعصوم: بحيث لو رأينا شخصا في هذا المستوى من الإحاطة العلمية (هو البحر من أي النواحي أتيته)، مع أنه لم يُعد لدور إلهي استثنائي، وإنما ضمن حدود الحالة البشرية من الاكتساب العلمي، والنشاط الذهني.. وهو بهذا المستوى العظيم. فكيف لو كان الله يريد دورا استثنائيا للشخص كما هو في حالة المعصوم. وكيف لو كان علمه من غير الطريق الاكتسابي العادي؟ - الغرض الآخر: أن يكون هؤلاء النماذج حجة على من عداهم من بني صنفهم، فإذا اعتذر الإنسان بعدم قدرته على التبليغ والإرشاد والتأليف، وعدم سماح الظروف له بذلك.. جيء له بأمثال هؤلاء الأطواد. وسيدنا الراحل هو من تلك النماذج العالية التي يمكن الاحتجاج بها على القاعدين، والخاملين. ما رأيكم في الشمولية التي يتمتع بها الإمام
