الراحل في تناوله لموضوعاته؟ الشيخ فوزي آل سيف: شمولية النظرة فرع وضوح البصيرة، فإذا كان العالم نافذ البصيرة عارفا وجدته ينظر في مواضيعه المختلفة بتلك النظرة الثاقبة. ولذا وجدناه رحمه الله كما يتناول المسألة الفقهية في موضوع الوضوء والصلاة، يتناول المسألة السياسية في أمر إنهاض الأمة وتغييرها. ما هو رأيكم بالعقلية المرجعية الإدارية التي مارسها الإمام الشيرازي (رضوان الله عليه) تنظيراً ـ كتاب الإدارة ـ وتطبيقاً ـ المؤسسات المنتشرة التي أسسها في كل أنحاء العالم-؟ - الشيخ فوزي آل سيف: لعل الحديث عن كتاب (إلى وكلائنا في البلاد) أولى فهو الأول من نوعه الذي يتضمن تلك التوجيهات الراقية، التي تسهل على الوكيل الإدارة الاجتماعية، وكيفية تأسيس المؤسسات، والنظر إلى الحاجات القائمة في المجتمع ونقاط الضعف فيه بغرض رفعها. تعد مرجعية
السيد الإمام الشيرازي (قدس سره) مرجعية ميدانية بحق، وقد تجلى ذلك في نزول سماحته إلى ميدان العمل إما بصورة مباشرة، أو بصورة غير مباشرة عن طريق وكلائه، دون أن يتأطر بإطار التنظير فحسب، فكيف تنظرون إلى هذه المرجعية؟ الشيخ فوزي آل سيف: لو أراد الباحث أن يتأمل في هذه الجهة لوجد عدة جهات مؤثرة في كون مرجعيته بذلك النحو: الأولى: أنه عليه الرحمة كان دائم التشجيع والحث على العمل المؤسساتي، وكان يرى كل شخص مسؤولا عن القيام بجهد ما في هذا السبيل، وأي شخص كان يزوره يجد عنده هذه التعبئة في اتجاه العمل.سواء كان طالب علم أو كان موظفا، بل حتى لو كان طالب الثانوية.. وكم أثار في نفوس هؤلاء الحماس، والاحساس بالذات واقتحم بذلك نقاط الضعف النفسي والتردد عندهم،
وأزال الحواجز الداخلية التي تعيقهم عن العمل، وكم من شخص قد ذكر أنه قام بالعمل الفلاني على أثر تلك الكلمات التي سمعها في مجلسه. الثانية: أنه كان دائم المتابعة، بنحو يتعجب منه المرء، فقد يزوره شخص بعد عدة سنوات، فيعيد عليه ما كان قد طرحه عليه سابقا، ويسأله عما إذا كان قد أنتج شيئا في هذه المدة. ويقترح عليه اقتراحات جديدة لتطوير عمله لو كان قد عمل شيئا. الثالثة: يظهر من طريقة عمله رحمه الله أنه كان يؤمن بالمثل القائل دع ألف زهرة تتفتح، وهذه الطريقة وإن كان البعض يرى فيها بعدا عن التركيز، وبالتالي قلة الانتاج، وأن من المفروض أن يركز القائد في عمله على جهة أو جهات محددة حتى يحصل على نتائج واضحة. إلا أنه (رحمه الله) -
ولعله لما يراه من الحاجة الشاملة الموجودة في الأمة، سواء في جانبها الثقافي، أو الاجتماعي أو السياسي، ولما يراه من أن بعض الطاقات في الأمة تستطيع الإنتاج في جانب دون غيره - كان ينشر الحماس والاندفاع عند الجميع.. كل بحسب ما يستطيع وفي المجال الذي يحتمل سماحته أن السامع قادر على الإنتاج فيه. حدد الإمام (رضوان الله عليه) مشكلة الاستبداد وآثارها وطرح مبدأ شورى الفقهاء كضمان احترازي ضد آفة الديكتاتورية فما هو رأيكم بهذا المبدأ؟ - الشيخ فوزي آل سيف: مما سبق به الإمام الراحل عليه الرحمة والرضوان، كان مجموعة من الأفكار التي خرجت عن السياق العام في جهتيه التقليدية والثورية. ففي الاتجاه التقليدي للمرجعية الدينية عند الشيعة كان التعرض للفكر السياسي، يعد أمرا غير مألوف، بالرغم من وجود فقهاء
في تاريخ الشيعة كان لهم أدوار سياسية، وفكر سياسي متميز إلا أنه كان يشكل الاتجاه غير المعتاد. والنمط الفكري الذي كان يملكه السيد الشيرازي تغمده الله بالرحمة، كان بهذا المعنى خارجا على المألوف المعتاد، إذ أنه في نفس الوقت الذي يتحدث فيه ويكتب في المواضيع التخصصية الحوزوية، بل المغرقة في ذلك (كشرح المنظومة) وأمثالها كان يكتب ويتحدث في مواضيع مثل تطبيق الإسلام والدولة الإسلامية (قبل أن تتبلور فكرة الدعوة إليها بعشرات السنين) ومثل مسألة اللاعنف في التغيير في الوقت الذي كانت تتبنى فيه الحركات الإسلامية، بل والشيعية، منهج الكفاح المسلح وتراه طريقا - وحيداً أحياناً - للتغيير السياسي، وكان السيد في ذلك الوقت يرى خلاف هذا المنهج ويصر على اللاعنف.. في وقت كان التفوه بهذا المبدأ يحتاج إلى شجاعة فائقة.
